زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

كيف يُمكن توجيه طاقة الجزائريين نحو الخير؟

فيسبوك القراءة من المصدر
كيف يُمكن توجيه طاقة الجزائريين نحو الخير؟ ح.م

فؤاد.. نجاح لم يأت من فراغ

عناوين فرعية

  • الجزائر لا تحتاج إلى “مؤثّرين” جدد على الشاشات، بل إلى مصلحين في الأرض!

ما أنجزه فؤاد معلّى أوّل أمس، مع كلّ المساهمين، عملٌ عظيم، رائع، ومُلهم.

كُتب عنه الكثير، وقيل في حقّه أكثر، وهو يستحقّ ذلك بلا شكّ، لكنني أريد أن أتحدث عن زاوية أخرى:

أن تجمعَ كلَّ الجزائريين – على اختلاف مشاربهم – حول فكرةٍ زراعة شجرة، فذلك هو الإصلاح الحقيقي في الأرض… هذا بالضبط ما نحتاجه اليوم.

الطبيعة لا تحبّ الفراغ، والمجتمع حين لا يجد نماذج إيجابيةً تقوده، يبدأ باتّباع النماذج السائدة؛ أي الشهيرة، والأشهر هم المؤثرون، ونحن نرى طبيعة القيم التي ينشرونها..

الجزائر لا تحتاج إلى “مؤثّرين” جدد على الشاشات، بل إلى مصلحين في الأرض!

👈 عرفتُ فؤاد (48 سنة، مهندس ميكانيكي) قبل نحو ستّ سنوات، في مدينة باتنة، ضمن مشروعه الأوّل: “أمام كل بيت شجرة” كان مشروعًا محليًا صغيرًا، بمشاركة بضعة متطوّعين.

فؤاد أدرك مبكرًا أن الجزائريين طيّبون بالفطرة، وأنّ كلّ ما يحتاجونه هو من يبدأ أوّلًا، من يسبقهم إلى الخير، ويأخذ بأيديهم إليه. تمامًا كما يقول المثل الشعبي: “الخير معاندة… والشر معاندة”.

طاقة عجيبة كانت تحرّكه من البداية، وإيمانٌ عميقٌ بفكرته، وحين تراه مع فريقه، وقد تبعثروا يحفرون ويغرسون، تفهم أنّه قرّر أن يُصلح ما أفسدته المظاهر السلبية المحيطة – من التصّحر، تكسيرٍ للأشجار، وغيابٍ لهذه الثقافة، وكلّ المظاهر السلبية – بدل أن يكتفي باللعن، وهذا ما نحتاجه أيضا.

@ إقرأ للكاتب: هشام الوهراني وغيره من قطاع الطرق!

التقيتُه مراتٍ عديدة في حرِّ باتنة، وفي بردها القارس، وظلّت طاقته دومًا مشتعلة. في آخر لقاءٍ به، بعد أن دعاني أنا وصليح إلى “مرقاز بوطيبة” في ممرّات بن بولعيد بوسط مدينة باتنة، اتجهنا إلى حيه الباطوار بباتنة، واستظلَلْنا تحت شجرة توتٍ ضخمة في يومٍ أتذكّر أن حرارته جاوزت 45.
ففاجأني حين قال إن الشجرة هذه هو من زرعها، وكانت تبدو كأنها بذرت قبل ثلاثين عامًا. كانت البداية من تلك الشجرة قرب بيته، والدرس الآخر “الإصلاح يبدأ في محيطنا ثم يمتد ويتوسع”.

🔹 باعتقادي، من خلال ما قام به خلال هذه السنوات وصولًا إلى ثورة السبت الماضي، فقد قدّم فؤاد درسًا للأجيال القادمة، ورسالةً حقيقية في الإصلاح العملي، لأنه عاد ليصنع القدوة في زمنٍ انهارت فيه القدوة، خصوصًا في المجتمع الجزائري.

فالطفل الذي ينشأ في بيئةٍ بلا قدوة، في حيٍّ شعبيٍّ يغيب فيه الجمال – حلاقاتٌ بشعة، ملابس سيئة، موسيقى هابطة، ومحيطٌ خارجيٌّ ملوّث بالضجيج والسلوك الفوضوي والكلام الفاحش – ماذا تنتظر منه؟ كيف سيحترم شجرةً أمام منزله؟ من الطبيعي أن يكسرها، لأن سلوكه انعكاسٌ مباشرٌ للبيئة التي شكّلته.

@ طالع للكاتب: عجائب قراءة سورة البقرة كل صباح!

👈 لكن الطفلَ نفسه، إذا تعرّض مرارًا وتكرارًا لمشاهدَ مختلفة – صورٍ متكررة لحملاتِ غرسِ الأشجار، ومبادراتٍ حقيقية من الكبار الذين يزرعون بدلًا من أن يبيعوا الممنوعات، ويُصلحون بدلًا من أن يُخرّبوا – سيتغيّر سلوكه جذريًا. فالإنسانُ يتعلّم بالتجربة والتقليد، وهذا ما أثبتته عشراتُ الأبحاث العلمية، مثل تجربة “بندورا” الشهيرة، التي بيّنت أن سلوك الأطفال يُكتسب بالملاحظة والمحاكاة أكثر مما يُكتسب بالتلقين والنصائح.

وبالتالي، نحن بحاجةٍ اليوم إلى غرس المزيد من الأفكار النبيلة في الأطفال، وإطلاق مبادراتٍ أخرى كثيرة تُعيد إصلاح علاقتهم بالفضاء الخارجي، وبالسلوك القويم والسويّ، لأننا أمام أطفالٍ صاعدين بلا بوصلة.

وفؤادٌ نفسه ما كان ليقود اليوم هذه المبادرة، لو لم يعش في طفولته تلك التجارب الصغيرة مع جدّته “هنية” بقرية “لقصر” نواحي تكوت (ولاية باتنة)، وهي تسقي الأشجار وتعتني بها. هناك، بين سطل الماء والشتلة الصغيرة، تشكّلت الفكرة الأولى في ذهنه… فكرةُ أن الإصلاح يبدأ من غرسِ شجرة، لا بتكسيرها.

نحتاج إلى رجالٍ من بعزيمة فؤاد معلى، ونساءٍ أيضًا، وفي كلّ المجالات، لتحويل طاقة الخير إلى طاقةٍ ملموسة تُثمر في الأرض؛ لأنّ الطبيعة لا تحبّ الفراغ..

🔹 صاحب مبادرة “الجزائر الخضراء” كشف أمرًا آخر في غاية الأهمية، فرغم ما نراه من أنماطٍ سلبيةٍ تتكرّر – من فوضى، وأنانية، وتراجع للقيم، وميلٍ للمادّية – إلّا أنّه أثبت أنّ الجزائري، في جوهره، طيّب ويحمل في داخله نزعةً حقيقيةً نحو الخير.

مشكلتنا ليست في قلّة الخير، بل في عدم توجيهه، وفي غيابِ من يحوله إلى طاقة حقيقية. كما أنّه غالبًا “خير فرديّ”: مبادرةٌ من شخص، صدقةٌ فردية، موقفٌ نبيلٌ في الشارع، تفاعلٌ جماعيٌّ رقميٌّ مع ضحيةٍ ما…لكنّه نادرًا ما يتحوّل – باستثناء شهر رمضان – إلى حركةٍ شعبية أو هبّةٍ جماعية. وهكذا أكّد فؤاد أنّه بالإمكان تحويل النية إلى حركة، والمبادرة إلى ثقافة.

zoom

نحتاج إلى رجالٍ من بعزيمة فؤاد معلى، ونساءٍ أيضًا، وفي كلّ المجالات، لتحويل طاقة الخير إلى طاقةٍ ملموسة تُثمر في الأرض؛ لأنّ الطبيعة لا تحبّ الفراغ، والمجتمع حين لا يجد نماذج إيجابيةً تقوده، يبدأ باتّباع النماذج السائدة؛ أي الشهيرة، والأشهر هم المؤثرون، ونحن نرى طبيعة القيم التي ينشرونها.

@ اقرأ للكاتب: الجزائر.. بلد يملك قراره، كرامته، سيادته

🔹 ولعلّ ما يفسّر توسّع مبادراتٍ مثل مبادرة فؤاد، وقابليتها السريعة للانتشار، هو ما يُعرف في علم السلوك بـ “حلقة التغذية الراجعة الإيجابية” (Positive Feedback Loop) — أي ذلك النمط الذي يجعل الفعل الخيّر يتكرّر كلما حظي بتفاعلٍ اجتماعي إيجابي.

حين يرى الناس عملًا نبيلاً يلقى إشادةً ومشاركةً ودعمًا على مواقع التواصل، تميل غريزتهم إلى تقليده.

لقد شاهدنا بالفعل مئات الصور لأشخاصٍ يغرسون الأشجار في مدنٍ مختلفة، متأثرين برجلٍ واحدٍ وقف إلى جانب وزير الفلاحة ليعلن مبادرةً بسيطة.

هذه هي العدوى السلوكية الإيجابية في صورتها الواقعية: أن يتحوّل الفعل الجميل إلى عادةٍ اجتماعيةٍ متكرّرة… ثم إلى ثقافةٍ راسخةٍ في الوعي الجماعي.

هذه هي العدوى السلوكية الإيجابية في صورتها الواقعية: أن يتحوّل الفعل الجميل إلى عادةٍ اجتماعيةٍ متكرّرة… ثم إلى ثقافةٍ راسخةٍ في الوعي الجماعي.

في الواقع، نحن كجزائريين نملك عاطفةً جياشة، وتآزرًا وتكاتفًا في الأوقات الصعبة، وتضامنًا كبيرًا، لكن هذه العاطفة لا يجب أن تُوظَّف فقط للتضامن مع نموذج “الزوالي” والمستضعفين كما هو سائد ومتكرّر، بل يجب توجيهها نحو الخير الحقيقي، نحو رؤيةٍ تتجاوز التفاعل والإعجابات إلى صناعة الواقع. وهذا ممكن جدًا، وقد نجح في ذلك فؤاد..

👈 ولمَ لا مبادراتٌ أخرى: لم لا 5 ملايين شجرة يوم 21 مارس؛ يوم لأجل تنظيف أحيائنا من باعة السموم، يوم وطني للتبليغ ونشر ثقافته، يوم إجازة مدفوع للتطوع في 58 ولاية، يوم لإعادة ربط علاقتنا بالطبيعة من خلال تنظيف الغابات، يوم بلا تلوث وسيارات، يوم بلا ضجيج ولا أبواق ولا صخب، يوم بلا كلام نابي…

🔹 لو أتيح لك أن تطلق مبادرة واحدة تغيّر بها سلوك الناس نحو الخير، ماذا ستكون؟

@ طالع أيضا: المطلوب: توبة إعلامية..!

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.