لم يعد مفهوم القوة، لدى بلد ما يقاس بما تملكه من أسلحة ومعدات عسكرية، ولا بامتلاكها للمال والثروات الطبيعية والمعدنية.. بل تعدى مفهوم القوة إلى وسائل أخرى كالقيم الروحية والمعنوية واحترام حقوق الإنسان وتجلي الثقافية والمعرفية والعدالة الاجتماعية.
لقد أضحت “الدول الصغرى” تنافس الدول العظمى في أخذ القرارات واستقطاب رأي المجتمع الدولي نحوها بأقل التكاليف.. لأنها صار تملك العديد من بدائل القوة الخشنة.
هذا المفهوم الجديد للقوة يسمى “القوة الناعمة” ومثلما تتوفر عليه الدول، اكتسبه أيضا الأفراد والجماعات بنسب متفاوتة، ويبقى كيفية حسن توظيف هذه الطاقة بما ينفع الناس.
وقد حصرت موارد القوة الناعمة لدى الدول كحد أدنى في ثلاثة موارد أساسية وهي:
أولا: في تجذر ثقافتها أي الأشياء والأماكن التي تكمن فيها جاذبية للآخرين في الداخل والخارج.
ثانيا: في القيمة السياسية أي في مدى تطبيقها بالعدل على عامة شعبها.
ثالثا: في سياستها الخارجية وهي عندما يشعر الآخرون بمشروعيتها دون انحياز.
إن العديد من الدول تكتسب هذه المكونات الثلاث لكن يبقى توظفها بدرجات مختلفة مما تفقدها هيبتها.. كما أن هناك قوة ناعمة أخرى لا تقل أهمية عن الأولى تتمثل في توغل بعض المؤسسات في عقول الناس تزيد لذلك البلدان قوة ناعمة أخرى.
فأمريكا إضافة لقوتها العسكرية الضاربة، تصنف في خانة الدول ذات القوة الناعمة لما لديها من مؤسسات ثقافية وفكرية كمؤسسات “هوليود” وجامعة “هارفرد” و”ميكروفست”ومشاهير الفن والرياضة..
ما يجعلها تعوض به بما تخسره أثناء بطشها للأمم حتى صاروا لا يستغنون عنها بسبب تغلغل هذه المؤسسات في وجدان الناس من حيث لا يشعرون.
أما بالنسبة للأفراد فمهما كان مستواهم الثقافي والاجتماعي فان قوتهم الناعمة تكمن في كسب القلوب من خلال ثلاث شواهد لابد منها وهي:
أولا: التحلي بالإخلاص دون رياء.
ثانيا: تحلي بالصدق دون إعجاب.
ثالثا: التزين بالصبر دون أذاء – ولا تصلح الأعمال إلا بهم-.
وبذلك فان ميزان القوى الذي كانت تحتكره أقلية من الدول العظمى أو أقلية من الأفراد ذات مال وجاه تلاشى عما كان عليه سابقا.
كما اكتسبت بعض المنظمات العلمية غير الحكومية قوة ناعمة تنافس به حكوماتها بل تفضح بعض ممارساتها وتندد بتراخيها في مد يد العون للآخرين وهي تدعي الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان، نذكر منها منظمة أطباء بلا حدود، ومنظمة شفافية الدولية التي تشهر بالدول التي تغض الطرف عن الفساد المالي، ومنظمة السلام الأخضر التي تسببت في متاعب كثيرة لكبريات الشركات الملوثة للبيئة وإلزامها بدفع تعويضات عن ذلك للمتضررين.
يعد استعمال القوة الناعمة من طرف الجميع وخاصة الأفراد إخلاصا وصدقا وصبرا أفضل الأسلحة، لأنها تجلب السعادة للأفراد والجماعات وتجنب الدمار والحروب المعلنة وغير المعلنة.
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.