زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

قبل الطوفان

قبل الطوفان ح.م

سألني صديقي: لماذا أنت دوما متشائم تجاه مستقبل بلدك؟ فأجبته: كيف لي أن أتفاءل وحيث ما وليتُ وجهي أجدني مصدوما بالأزمات والإخفاقات...

كثيرا ما أحاول أن ألوم نفسي عن هذا التذمر الذي يلازمني مذ وعيت، ساعيا للتخلص من هذه النظرة التشاؤمية والسوداوية، محاولا أن أنظر للمملوء من الكأس كما المتفائلين، إلا أن الواقع أشدّ وطأة وضراوة من هذه الرياضة النفسية التي تملئ كتب المسترزقين الذين يبيعون ورود الأمل للعراة والجائعين.
قبل أن ينضج وعيي كنت أساير القطيع في صراعه مع حاجيات اليومية، وكان يبدو لي ذلك أمرا عاديا، ربما لأنني لم أكن أملك تصورا عن رغد العيش، لكن مع الوقت بدأ مفعول القراءة يزيل غشاوة الوهم عن بصري، وتجلى في ذهني أن حياتنا هذه محض شقاء ومعاناة، وأيقنت أن عقولنا مٌصادرة، وأننا نعيش بعقول معطلة ببقايا ثقافة منهزمة ونفايات أيديولوجية تراكمت طيلة سنين عجاف.

محنة التعليم في بلدي أصلها دراما سياسية نفعية أبطالها مرتزقة يبيعون لدهماء الناس شهادات بلا ثمن ولا قيمة، مقابل الصمت والسكوت على الشدائد والمحن..

الناظر إلى بلدي بعين العاقل المتحرر من الوهم الشوفيني يدرك مدى الخطر الذي يتربص هذا البلد الطيب.. إخفاقات في كل مجال، أزمات في كل قطاع، تأخر اقتصادي، تخلف حضاري، خمول ثقافي وتقهقر فكري، نهدر الأموال الطائلات والوقت النفيس لأجل أن نسدّ ثغرة لا تلبث أن تزداد اتساعا، أو نعالج جرحا لا يزداد مع الوقت إلا تعفنا، منذ أكثر من خمسة عقود ونحن نسعى وندبر ولم نعرف السبيل لاستباق أزماتنا المستدامة، الفجوة بيننا وبين بر النجاة تزداد اتساعا مع مرّ السنين.
أيقنت حين استفقت أن الخلاص لا يكون إلا بالعلم، لكنني حين التقطت صورة فوقية لمجال التعليم في بلدي أدركت أن طوفان الجهل يوشك أن يغرق ما تبقى من منارات العلم التي لم تجد مغيثا لنجدتها.
كل المؤشرات، الداخلية والخارجية، تؤكد أن التعليم في بلدي، من الابتدائي إلى العالي، يعاني مأزقا حقيقيا لا سبيل للخلاص منه إلا بتغيير فوقي جذري..
محنة التعليم في بلدي أصلها دراما سياسية نفعية أبطالها مرتزقة يبيعون لدهماء الناس شهادات بلا ثمن ولا قيمة، مقابل الصمت والسكوت على الشدائد والمحن..
التعليم في بلدي بالمجان، سوق العلم مفتوح على مصراعيه للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل..
أحيانا يصعب عليك أن تفرق، فيما يتعلق بالزّاد العلمي، بين المعلم والمتعلم، بين الطالب والأستاذ..
تٌوزع الشهادات في بلدي بسخاء لا مثيل له ما دام التعليم عملة يتداولها ساسة الطبقة الحاكمة، وورقة انتخابية رابحة في يد الحزب الواحد والأوحد..
غشّ، محاباة، محسوبية، سرقات علمية، اختلاسات معرفية، وفي الأخير آلاف العاطلين في سوق العمل.
لا يخفى على أحد أن جامعاتنا أصبحت سوقا للمزايدات الحزبية، الطغيان الأعمى للتنظيمات حول الجامعة إلى سوق سوداء يحتكرها الطلبة يباع ويشترى فيها كل شيء، منبرا لصراع سلطوي، يٌتنافس فيها على كل شيء عدا العلم والمعرفة، لا همّ لمعظم الأساتذة فيها إلا تلميع سيرهم “العلمية” وتضخيم مساراتهم الوظيفية، فكانت النتيجة أننا أصبحنا خارج التصنيفات العالمية، وفي مؤخرة الترتيب العربي.

طوفان الجهل قادم في بلدي، فإذا فار التنور فليس بيننا نوح ولا سفينة، فقد نكون جميعا ممن سبق عليه القول، ولن يعصمنا من هذا الأمر إلا العودة للعلم والعقل قبل فوات الأوان..

لا يخفى على أحد أن جامعاتنا أصبحت، في عمومها، مصنعا لإعادة تكرير الغباء والسذاجة، ولإنتاج الموظفين عديمي الكفاءة.. فإذا كنا في ستينات وسبعينات القرن الماضي، وبكفاءات أحسن ومستويات أرقى، قد عجزنا عن الخروج من دوامة الأزمات، فكيف سننجو من طوفان الجهل بكفاءات معدومة وشهادات مزورة، وألقاب علمية تمنح بقرارات سياسية بقدر الموالاة وإعلان الولاء.
لم تتطور الأمم إلا بالعلم، ولم ترق في سلم الحضارات إلا المجتمعات التي أعلت من شأن العلم، ومجدت العقل، وكرست العقلانية، وطهرت ضميرها الجمعي من الخرافة، وتجاوزت السلوكات الوجدانية والعاطفية..
العالم اليوم يركب قطار التطور الشديد السرعة وقائد هذا القطار هو العلم، ونحن لازلنا نستعمل البغال والحمير للحاق بالركب، فهل هذا معقول؟.
طوفان الجهل قادم في بلدي، فإذا فار التنور فليس بيننا نوح ولا سفينة، فقد نكون جميعا ممن سبق عليه القول، ولن يعصمنا من هذا الأمر إلا العودة للعلم والعقل قبل فوات الأوان.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

2 تعليقات

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

  • تعليق 6741

    عبد الرحمن

    مقال و لا أروع ! يهز كيان كل ذي عقل و لب و ضمير . فعلا نحن على شفا حفرة من الهاوية ، يا سيادة الكاتب المتشائم مثلي، ومثل كل جزائري يقدر العواقب الوخيمة ، التي يقودنا إليها أناس يعشقون الرداءة حتى الثمالة، ويفرضونها على المجتمع فرضا رهيبا . فقد صارت الرداءة هواء نتنفسه ، وطعاما نستهلكه ، وماء نشربه. وهؤلاء الناس ، لا يلتفتون وراءهم، ولا ينظرون أمامهم ، بل يعيشون لحظة زمانهم في حلقة مفرغة. وللأسف امتدت رداءتهم إلى قطاع حساس به تنهض الجزائر ، وبه تنكسر وتزول وتصير أثرا بعد عين ، إنه قطاع التعليم ، الذي هو العمود الفقري لكل أمة ، فبه تنهض أو تنهار . وقد حذر أحد الأساتذة من انهيار التعليم ، فأوجز ما يلي :
    انهيار التعليم = انهيار الأمة.
    أحد الأستاذة الجامعيين كتب لطلابه في مرحلة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه رسالة معبرة، وضعها على مدخل الكلية في الجامعة بجنوب أفريقيا ، هذا نصها:
    *تدمير أي أمة لا يحتاج إلى قنابل نووية أو صواريخ بعيدة المدى، ولكن يحتاج إلى تخفيض نوعية التعليم، والسماح للطلبة بالغش.!*
    *- يموت المريض على يد طبيب نجح بالغش.!*
    *- وتنهار البيوت على يد مهندس نجح بالغش.!*
    *- ونخسر الأموال على يد محاسب نجح بالغش.!*
    *- ويموت الدين على يد شيخ نجح بالغش.!*
    *- ويضيع العدل على يد قاضٍ نجح بالغش.!*
    *- وينتشر الجهل في عقول الأبناء على يد معلم نجح بالغش.!*
    ــــ فالله نسأل أن ينقذنا من الرداءة وشرورها ، ويستبدلها بالكفاءة ومنافعها. آمين.

    • 3
    • تعليق 6752

      تركي لحسن

      شكرا أخي على تفاعلك، التشاؤم أصح قدرنا المحتوم في بلد، كما قلت، يعشق قادته الرداءة حتى الثمالة…خالص التحية و التقدير

      • 0

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.