"إني لم أمت ولو متُّ فإن كل واحد منكم هو جمال عبد الناصر ولن تسقط الرّاية"، تلك العبارة التي خاطب بها الرئيس المصري جمال عبد الناصر شعبه عندما تعرض لمحاولة اغتيال.
كان جمال عبد الناصر يرى أن ثورية العمل الإيجابي تستلزم تحريك أوسع الجماهير التي تتحمل عملية البناء الثوري للمجتمع، فكان أكثر احتكاكا بالطبقة الوسطى ولذا كان يرى أن الثرثرة الثورية لا تبني مجتمعا أو تؤسس دولة.
وقال في خطابه: “إني أدرك وأقدر أن هذا الشعب العظيم أعطاني من تأييده وتقديره ما لم أكن أتصوره يوماً أو أحلم به، لقد قدمت له عمري ولكنه أعطاني ما هو أكثر من عمر أيُّ إنسان”.
ويعتبر كتاب “فلسفة الثورة” من أبرز ما تركه جمال عبد الناصر الذي كان يحارب ويكتب وهو يعد مرجعا تاريخيا لكل الأجيال العربية.
والأمة العربية تحيي ذكرى رحيل زعيم القومية العربية جمال عبد الناصر (توفي يوم 28 سبتمبر 1970) تتذكر الجملة التي قالها الرئيس الأمريكي جيمي كارتر: إن الاختيار الحقيقي للقائد ليس في إجادته المعركة بل في مواجهته لتحديات المنصب ومسؤولياته، وهذا هو القائد الذي يحقق الثلاثية المشهورة: “دولة، أمة وسيادة شعبية” القائد الذي يدرك بأن تحقيق الديمقراطية يؤدي إلى تحول الشعب إلى “حاكم” حسب الطريقة التي ترغب فيها غالبيتهم.
وقد قيل في القديم: “من كان يرغب أن يكون رئيسا فليكن خادما”، والمتقدم إلى الرئاسة لابد أن يدرب نفسه على التخلي من كثير من مفاهيمه الذاتية، لأن الخدمة مرتبطة بمفهوم العمل والتضحية ولا يتحمل وطأة المسؤولية إلا “العظيم”.
في هذه الذكرى، تقف الجماهير العربية وقفة تاريخية للظاهرة الناصرية التي أعطت مفهوما صحيحا للزعامة، بحيث يراها البعض بأنها عبارة عن جاها مطلقا، ولكنها في حقيقة الأمر تعني الخدمة المطلقة للشعب وتلتزم حقوقه، وعليه تبنت الزعامة الناصرية خدمة الشعب ومبررا لوجودها واستمرارها.
هذه الزعامة ما كانت لتتحقق إلا بعدما اكتسب جمال عبد الناصر ثقة شعبه والأمم كلها بالتعبير عن أمانيهم الشعبية وإسقاط ما كان قد بقي من أشباه زعامات وفي مقدمتها الغوغائية، بحيث اشتد الوعي السياسي ونموه وذلك بفضل عوامل عديدة أبرزها حصول بعض الأقطاب العربية على استقلالها وانضمام معظمها إلى الأمم المتحدة.
لم تكن هذه الثقة بتثقيف الجماهير بالكتب المجانية والصحف والإذاعة والتلفزيون وتوسيع الجمعيات والنوادي فحسب، بل بفتح بالتواصل المباشر مع الجماهير واحترام الحريات لجميع طبقات الشعب وإشراكه في إدارة مؤسسات العمل والإنتاج.
وبهذا الوعي استطاع جمال عبد الناصر القضاء على “الغوغائية” التي كانت قاعدة أساسية من قواعد الزعامات السابقة وقاعدة لبعض الأحزاب التي استغلت عواطف الشعب خاصة الطائفية منها، لقد مارس جمال عبد الناصر السياسة انطلاقا من تجربة من سبقوه من الزعماء الذين كانت لهم شخصية كاريزماتية، تأثر بهم فآثر نصرة الشعوب التي كانت تعيش تحت نظام استعماري دكتاتوري وحقها في تقرير مصيرها، دفاعا عن الظلم ومجابهة الاستعمار، فكان صوته يمثل صوت الشعوب المستعمرة المقهورة في المؤتمرات العالمية وبالأخص في مؤتمر “باندونغ”.
كان على يقين أن صوته سوف يغير مجرى التاريخ، ولمجابهة هذه الدكتاتورية وضع جمال عبد الناصر 06 مبادئ للثورة وهي: (القضاء على الاستعمار، القضاء على الإقطاع، القضاء على الاحتكار ورأس المال على الحكم، إقامة عدالة اجتماعية، إقامة جيش وطني وإقامة ديمقراطية سليمة).
الذين عايشوا المرحلة الناصرية أكدوا في شهاداتهم أن علاقة جمال عبد الناصر بالطبقة الوسطى كانت مصدر قوته، رغم ما لقيه من معارضات قوية، غير أنها لم تتمكن من النيل منه، لأنها كانت وليدة الجهل أو قصر النظر أو لتصديق شائعات بعضها وليد الاختلاف في الرأي، وأخرى وليدة الحقد والحسد.
وانطلاقا من هذه المبادئ بدأت المعركة لمجابهة مشكلة التخلف والفقر، وانتقل النبض الثوري بالثورة من معركة إلى أخرى، إن مبادئ عبد الناصر جاءت من أجل القضاء على “الثرثرة الثورية”، لأن ثورية العمل الإيجابي تستلزم تحريك أوسع الجماهير التي تتحمل عملية البناء الثوري للمجتمع، والتي لها القدرة على تنفيذ أهداف ثورة لم تنفعل بعد، كما أن بناء دولة عصرية وتنظيم مجتمعا ثوريّا يقضي فتح الطريق أمام الجماهير الشعبية.
وقد اعترف جمال عبد الناصر بهذه الحقيقة بقوله: “كنا نشعر بالحاجة إلى الثورة.. إلى تغيير جذري.. وإنما كنا لا ندرك الطريق إلى هذا التغيير ولا الوسائل لتحقيقه”.
كما استطاع جمال عبد الناصر تحقيق أول وحدة عربية قومية في التاريخ الحديث بتبنيه القضية الفلسطينية والعمل لتحقيق رغبات الشعب الفلسطيني ومؤازرة الحركات التحررية والتقدمية في الأقطار العربية وإعلان عروبة مصر.
الذين عايشوا المرحلة الناصرية أكدوا في شهاداتهم أن علاقة جمال عبد الناصر بالطبقة الوسطى كانت مصدر قوته، رغم ما لقيه من معارضات قوية، غير أنها لم تتمكن من النيل منه، لأنها كانت وليدة الجهل أو قصر النظر أو لتصديق شائعات بعضها وليد الاختلاف في الرأي، وأخرى وليدة الحقد والحسد.
وهناك من حاول تفسير التفاف الجماهير حول جمال عبد الناصر على أساس نظرية الزعيم “الكاريزمي”، وذلك باعتراف وولتر، الملاحظ أن الذين يتمتعون بالكاريزماتية غالبا ما يتعرضون لمحاولات اغتيال، وقد تعرض جمال عبد الناصر لمحاولة اغتيال في المنشية عام 1954 حيث وجهت إليه ست رصاصات وهو يخطب في الإسكندرية.
جملة قالها الرئيس جيمي كارتر: إن الاختيار الحقيقي للقائد ليس في إجادته المعركة بل في مواجهته لتحديات المنصب ومسؤولياته، وهذا هو القائد الذي يحقق الثلاثية المشهورة: “دولة، أمة وسيادة شعبية” وليس ذلك الذي يستعمل فن الخطابة للتأثير على الجماهير بواسطة الكلمات المعسولة والمزيفة، أو يغريهم بالحفلات والمهرجانات للوصول الى الحكم، بل ذلك القائد الذي يدرك بأن تحقيق الديمقراطية يؤدي الى تحول الشعب الى “حاكم” حسب الطريقة التي ترغب فيها غالبيتهم.
وقد قيل في القديم: “من كان يرغب ان يكون رئيسا فليكن خادما”، والمتقدم الى الرئاسة لابد أن يدرب نفسه على التخلي من كثير من مفاهيمه الذاتية، لأن الخدمة مرتبطة بمفهوم العمل والتضحية ولا يتحمل وطأة المسؤولية إلا “العظيم”.
وكما قال أحد عشاق الناصرية فإن الزعيم جمال عبد الناصر ظاهرة يعجز الجميع عن تفسيرها، فلا عجب ولا غرابة إذن أن يتصف الزعيم بالدكتاتوري.
من أقواله: “إن الإرادة الشعبية هي التي تملك أن تصنع قيادتها، وأن تحدد لها مكانها، إن الشعب يجب دائماً أن يبقى سيد كل فرد وقائده، إن الشعب أبقى وأخلد من كل قائد مهما بلغ إسهامه في نضال أمته”.
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.