زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

في الجزائر.. الجهاتُ كلّها جنوب!

في الجزائر.. الجهاتُ كلّها جنوب!

"الحراك الجنوبي" في الجزائر – كما يحلو لبعض المتابعين تسميته – لم يكن حدثا مفاجئا برز إلى الوجود من العدم، فحجم الإخفاقات الكبيرة في التسيير السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ولّدت أكثر من بركان مستعد للانفجار في أي لحظة، في مختلف ربوع الوطن.

وبدل تسيير عقلاني وخطوات عملية لاحتواء غضب الغاضبين، وهو غضب مشروعٌ يكاد يصل إلى درجة “الوجوب”، تتفنن السلطات في ممارسة هوايتها المفضلة: “الإدارة بالأزمات” وليس “إدارة الأزمات”. وهو ما سيفتح أكثر من جبهة قد تجعل الخرق يتّسع على كل ترقيع.

راهن كثيرون منذ “ثورة الياسمين” التونسية على هبوب عواصف التغيير في الجزائر. فبعد هروب زين العابدين بن علي اشرأبّت الأعناق صوب الجزائر التي شهدت احتجاجات سرعان ما تم الالتفاف عليها وسميت حينها – تسفيها – “احتجاجات الزيت والسكر”، لكنّ الرياح توجهت شرقا إلى أرض الكنانة، ثم غرّبت في ليبيا، فالمغرب، وشرقت مرة أخرى في اليمن وسوريا. وهي في كل محطة تعصف بالأنظمة لكنها لم ترسُ بعد على أساس متين يقيم دعائم الدول التي يتطلّع أهلها إلى الكرامة والحرية.

التغيير في الجزائر على إيقاع الربيع العربي أمرٌ استُبعد حدوثه بسبب عمق المأساة المتجذّرة في وعي الجزائريين – ولا وعيهم – حول مشكلات انفلات الأمن ورجوع الجزائر إلى دوامة العنف، وتجارب ليبيا (حرب خارجية) وسوريا (حرب أهلية) جاءت لتزيد تأكيد هذه المخاوف، وهذا ما تُدركه السلطة جيدا لهذا تنتهج خطة إصلاح بالقطرة، وقد لا يكون لها من الإصلاح إلا الاسم.

عندما أحس النظام الجزائري بقرب العاصفة، تدخّل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وأكد للجزائريين بداية عهد إصلاحات جديد، وربط المسؤولون بين الانتخابات التشريعية وبين المحطات الحاسمة في تاريخ الجزائر: ثورة نوفمبر 1954 واستفتاء تقرير المصير في مارس 1962، وأفهموا الشعب أن إدارة الظهر للمشهد الانتخابي (عزوفا ومقاطعة) تعني تحطيم الوطن. وتم إيهام الرأي العام أن كل دعوات التغيير مفادها التآمر ضد الجزائر وإرجاعها عقودا إلى الوراء. 

تَوجَّس النظام من فضائيات كان بإمكانه تأسيس عشرات مثلها، وبدل فتح نقاش وطني صريح تساهم فيه كل أطياف المجتمع، فُتح الباب أمام مشاورات شكلية لم تقُد إلى أي حلول عملية. أثناء ذلك حاول النظام استدراك موقفه من “ربيع” الجيران، فاستدعى الشيخ راشد الغنوشي ووزراء المغرب الإسلاميين، وطبّع علاقاته مع المجلس الانتقالي الليبي، وتم الحديث عن بعث مشروع الاتحاد المغاربي، وقد أوحت السفريات الكثيرة للوزراء الجزائريين إلى المغرب والعكس بوجود أرضية مشتركة تؤسس لانطلاقة جديدة. وفُتح المجال أمام تجديد العناوين الحزبية التي تكاثرت كالفطريات، وقد منّى الإسلاميون أنفسهم بالاستفادة من رياح التغيير فتجمعوا في “تكتّل أخضر” كان حصاده هشيما، لأن قادة المشروع الإسلامي السياسي أنفسهم “كهشيم المُحتظِر”. لم تكن السلطة جادّة فيما تقوم به، بل كانت تسعى لتأجيل فصل الربيع والانحناء أمام العاصفة لحين مرورها لا غير.

قدّمت الانتخابات التشريعية دليلا قاطعا على أن النظام غير جاد في الإصلاح، وجاءت نتيجة الانتخابات التي كرّست الوضع القائم بتمكين أكثر لأحزاب الريع التي تقتات على الإرث الوطني لتؤكد أن الجزائر تسير عكس التيار، حيث تقود السلطة ربيعها ضد الشعب، وليس العكس.

بروز شبح القاعدة في الساحل بشكل كبير ثم الاستيلاء على شمال مالي، والانفلات الأمني على الحدود الليبية بعدما استفاد المسلحون من أسلحة ثقيلة، وضعف دول الساحل في مواجهة أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد، جعل العالم الغربي يصل إلى قناعة مفادها أن الاستقرار في الجزائر مهم للمنطقة كلها، بما فيها أوروبا، فلو تلاشت الجزائر فإن خطر الإرهاب سيطال شمال المتوسط والمصالح الغربية في دول الساحل بسهولة أكبر. كانت تلك الصفقةَ مقابل تزكية المجموعة الدولية كلها للانتخابات الجزائرية التي يُدرك الجزائريون أنفسهم أنها فاقدة للمصداقية ولا تمثّلهم. وعززت الأزمة الاقتصادية موقف الجزائر التي بدأت تعقد الصفقات الكبيرة مع فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وتُقرض صندوق النقد الدولي، وبدا وكأن العاصفة مرّت على “الجزائر المحروسة” بسلام.

لو أردنا أن نعمل جردا لقائمة الفشل في التسيير الداخلي والخارجي، لرصدنا جملة من الإخفاقات المتكررة في إدارة السياسة الخارجية مثل تصريحات مدلسي حول الهوية الفرنسية للجزائريين وأداء الدبلوماسية الهش والمتناقض أمام الحراك العربي، والإخفاقات الداخلية في مواجهة المطالب الاجتماعية مثل تصريحات سلال حول “شرذمة” المحتجين في الجنوب ثم براءته منها، والإخفاق في تسيير الملف الأمني الذي أدى إلى ضرب الجزائر في قلبها النابض في (تيقنتورين) والفشل في حماية دبلوماسييها الذين كانوا على خط تماس مع جماعات إرهابية تجاهر بعدائها للجزائر، والإخفاق في التواصل مع الشعب حول اتخاذ قرارات مصيرية تؤثر على الأمن القومي مثل فتح المجال الجوي أمام الطائرات الفرنسية (ويعرف الجزائريون ذلك عن طريق الفرنسيين!)، ثم الفشل في الحفاظ على الأمن الحضري وانتشار ذئاب بشرية تنتهك أعراض الأطفال وتُزهق أرواحهم، وبروز فضائح المسؤوليين الجزائريين الذين ينهبون ثروات الجزائر ولا تجرؤ السلطات على محاسبتهم وردعهم، والإخفاق في احتواء انفجار الجبهة الاجتماعية التي تشهد احتجاجات يومية في مختلف الأسلاك الوظيفية بما فيها قوات الدفاع الذاتي! ثم الفشل في التنمية رغم الوضع المالي المريح. هذا دون أن ننسى الفشل – إلى حد الآن – في اعتماد إصلاح داخلي جدّي يقود إلى انتقال آمن للسلطة لا يمس بمؤسسات الدولة ويُجنّب الجزائر عشرية حمراء أخرى. وهاهو فشل آخر أخطر يأتينا تحت عباءة الجهوية: جنوبا وشمالا، بما يهدد وحدتنا الوطنية المقدّسة!

أمام السلطة الآن خياران: أن تحتوي الأزمة الفتيّة بتجسيد تنمية حقيقية في جميع مناطق الجزائر وتعتمد الشفافية مبدأ في التسيير، وتستمع لنبض الشارع. أو أن تحاول الالتفاف على الأزمة لربح الوقت وتجعل من قضية الجنوب مجرد نسخة طبق الأصل عن “أزمة العروش” في مطلع الألفية الثالثة، وتخلق “عبريكا” جديدا وأجنحة متصارعة تدفع الجزائريين جميعا إلى الكفر بكل تغيير سلمي ممكن.

هذا ما جعل شباب الجنوب يثورون ويحتجون، ومعهم كل قلب نابض في شمال الجزائر وشرقها وغربها، فالجزائر على وقع التهميش والإقصاء وفقدان التنمية الجادة واحترام الشعب والتلاعب بثرواته والتسلط عليه والتعامل معه كقاصر لا يُحسن التدبير لنفسه: كلّها جنوب.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

2 تعليقات

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

  • تعليق 5023

    حياة عبد المولى

    الحدث الأبرز الأهم من ” حراك الجنوب” بالنسبة لي اليوم هو رؤيتك أستاذ مصطفى بعد سنين من الغياب…وجهك و لا وجه القمر…

    • 0
  • تعليق 5024

    مصطفى فرحات

    وأنا الأسعد بلقياك في هذا الفضاء الافتراضي يا “سمراء متيجة”. أتمنى أن تكوني في أحسن حال: صحة وإبداعا. دمت متألقة وأذكرك ببريدي: neoreporter@gmail.com

    • 0

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.