زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

فن الخروج بشرف

فن الخروج بشرف ح.م

بوتفليقة.. على خطى موغابي والقذافي وبورقيبة، وليس على نهج مانديلا!

حينما سئل نيلسون مانديلا إن كان سيترشح لعهدة ثانية على رأس جنوب افريقيا أجاب، وهو في سنته الأولى من الحكم: أنه بحلول العام 1999 سيبلغ سن الثمانين، وأنه لا يعتقد أنه ينبغي على ثمانيني أن يتدخل في الشؤون السياسية.

“أرغب في الانسحاب لصالح رجل أصغر سنا، وسأكون متواجدا لتقديم المشورة إذا أرادوا مني ذلك، ولكن أن أحتل منصب رئيس للدولة، بالتأكيد، لن أخاطر بذلك”.

وأضاف: “أرغب في الانسحاب لصالح رجل أصغر سنا، وسأكون متواجدا لتقديم المشورة إذا أرادوا مني ذلك، ولكن أن أحتل منصب رئيس للدولة، بالتأكيد، لن أخاطر بذلك”.

كان بإمكان مانديلا أن يبقى رئيسا مدى الحياة، أو أن يتوج ملكا إن شاء، مستمتعا بإقامة باذخة في اليونيون بيلدينغ في بريتوريا، وباسطا سلطته على بلد كبير وغني، ومنتشيا بسجل نضالي قل مثيله، وبذكر طيب في العالم أجمع. لكن ماديبا كان رجلا ذا بصيرة، يحسن فن الانسحاب في الوقت المناسب، وهي مهارة تميز العظماء عن ناشدي المجد الزائف.

وفي أماكن أخرى من العالم جانب التوفيق زعماء آخرين، ضيعوا فرصة دخول التاريخ والتمتع بإشادة الأجيال المتعاقبة وإكبارها.

لقد كان روبرت موغابي أحد قادة استقلال روديسيا الجنوبية عن الاحتلال البريطاني، بل أب الاستقلال دون منازع، لكن نشوة السلطة أعمته عن إدراك إحدى أشد حقائق الحياة قسوة: ليس أسهل من أن تنزلق من قمة المجد إلى حضيض المهانة، وأن تمسي ملعونا بعد أن كنت وقت الضحى قديسا.

اعتقد موغابي أنه خلق ليحكم، وأن “الرب وحده يمكنه نزع السلطة منه” كما كان يقول متحديا، ولكن الزيمبابويين ملوا انتظار حلول مشيئة الرب، وخيب سرطان البروستات أملهم في القضاء على الرئيس المتشبث بالحياة وبالكرسي، واقتضى الأمر في الأخير أن يتحالف العسكر والساسة في هراري لاجتثاث العجوز الخرف من منصبه.

بوتفليقة لا يزال يؤمن بأن الحكم زمنا أطول كفيل بأن يخلع عليه بردة المجد، ولعله كان قريبا جدا وهو في أواخر عهدته الثانية من خروج كبير ومشرف، له ولبلده، ولكنه أخطأ التقدير، وارتضى أن يسلك نهج موغابي وبورقيبة والقذافي، عوضا عن الاحتذاء بمانديلا..

وغير بعيد عنا، حكم “المجاهد الأكبر” بورقيبة ثلاثين عاما، ثم عزل بصورة مذلة ممن وضع فيهم ثقته، وقضى ثلاثة عشر عاما في الأسر، لا يعلم بأخباره أحد، ولكن لعنته حلت بخلفه بن علي، الذي حكم قرابة ربع قرن، وانتهى به الأمر الى الفرار من البلاد تحت جنح الظلام، بعد أن ثارت جموع التونسيين على طغيانه وفساد المقربين منه.

وفي ليبيا حكم القذافي البلاد اثنين وأربعين عاما، حكما شبه مطلق، لكن الزمان قلب له ظهر المجن، ولم يشفع له كونه “الأخ القائد”، ولا “ملك ملوك افريقيا” من أن يحظى بمعاملة أكرم من قبل الجماهير الحانقة التي سحبته من المجارير، وقتلته شر قتلة.

أما عندنا، فيبدو أن بوتفليقة لا يزال يؤمن بأن الحكم زمنا أطول كفيل بأن يخلع عليه بردة المجد، ولعله كان قريبا جدا وهو في أواخر عهدته الثانية من خروج كبير ومشرف، له ولبلده، ولكنه أخطأ التقدير، وارتضى أن يسلك نهج موغابي وبورقيبة والقذافي، عوضا عن الاحتذاء بمانديلا.

لقد احتاج مانديلا خمس سنوات فقط لوضع بلاده على السكة الصحيحة، بعد أن أنهكها إرث عقود طويلة من التمييز العنصري والظلم الاجتماعي، في حين لم تكف عشرون عاما لبوتفليقة من أجل استكمال مشروعه السياسي والتنموي، وهذا أمر يمكن لأي متتبع أن يدرك سره، إذ تشتهر الجزائر بأنها دولة تعتبر فيها “إعادة تقييم المشاريع” من حيث كلفتها ومدتها رياضة وطنية.

بغض النظر عما يمكن أن يقال عن “إنجازاته”، فإنه كان جديرا بخروج أكثر حفظا لكرامته، لأنه ليس أشد على من كان ينتظر أن يحمل على أكتاف العز، من أن يشيع بنظرات الشفقة.

وها هو بوتفليقة يعرض نفسه مرة أخرى على الجزائريين ليستمر في حكمهم فترة رئاسية جديدة، بعد أن “ناشدوه لـمواصلة مُهمّته في خدمة البلاد”. ولست أفهم الى الآن لم أحجم الافريقيون الجنوبيون عن مناشدة مانديلا البقاء حاكما أبديا لدولتهم، مع أنه كان أوفر صحة وأكثر نشاطا.. عار على السود والبيض جميعهم.. كان ذلك نكران جميل قبيح جدا من قبلهم.

على أي حال، ومهما كانت مآلات الأمور، سيكون لبوتفليقة إلى حين شرف التمتع بلقب الرئيس الذي حكم الجزائر أطول مدة، وقد لا يذكره التاريخ بغير ذلك، وبغض النظر عما يمكن أن يقال عن “إنجازاته”، فإنه كان جديرا بخروج أكثر حفظا لكرامته، لأنه ليس أشد على من كان ينتظر أن يحمل على أكتاف العز، من أن يشيع بنظرات الشفقة.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.