زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

غريبة كرة القدم.. أصنام ما بعد الجاهلية لتحويل الرأي العام

غريبة كرة القدم.. أصنام ما بعد الجاهلية لتحويل الرأي العام ح.م

أردوغان - بومدين

تابع الجميع في مشارق الأرض ومغاربها وتيرة الأحداث الناجمة عن محاولة الانقلاب العسكري في تركيا منتصف الشّهر الجاري، وبغض النّظر عن المواقف المتباينة منه بين مؤيّد ورافض ومشكك من هذا الطّرف أو ذاك، وفي هذه البقعة أو تلك من الكرة الأرضية، إلّا أنّ حجم المتابعة وحده يكفي مؤشّرا على درجة الاهتمام من جانب وعلى مكانة المهتمّ به في الضّمير العالمي (تركيا) من جانب آخر، فهلّا تساءل هذا الفريق أو ذاك عن جوهر الإشكال عبر بوّابة سبب الاهتمام فقط؟، وفي عرفنا الدّارج يقول أجدادنا "الكلاب تنبح على الأحياء لا على الأموات" بعيدا عن كلّ ذاتية، وقد ترجم هذا المثل الشّعبي العريق في المخيال الشّعبي الجزائري رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى لما ألمح إلى أنّ تركيا تدفع ثمن تقدّمها ودخولها نادي الكبار، بمفهوم المخالفة استحسان حالة "التّفقرير" قياسا على الفقاقير والّتي تصلح وصفا للفقر المعرفي، وتعبّر عن وعي مزيّف وهروب من مسؤولية بعث الحياة في المجتمع الجزائري الّذي يملك كلّ مقوّماتها، لكن للأسف نعيش ما أعرف وتعرفون.

وقبل العودة إلى لبّ إشكالية المقال، اسمحوا لي أن أعود بكم إلى شيء من تفاصيل التّاريخ القريب، وكيف تحوّلت الجزائر بعد وصول الرّئيس الرّاحل هواري بومدين إلى السّلطة عن طريق انقلاب عسكري، ودخول الجزائر مرحلة جديدة من مراحل بعث روح الحياة في المجتمع (بغض النّظر عن المواقف منه)، وتحوّل بلاد المليون ونصف المليون من الشّهداء إلى كعبة للثّوار، وملاذ للمقاومين والمعارضين في العالم، صاحبه تنمية شاملة مسّت جلّ القطاعات، ودبلوماسية كان لها أثرها ودورها في توجيه الّسياسات الدّولية على الأقل على المستويين العربي والإقليمي والإفريقي، بمنظور أويحيى اليوم حاولت الجزائر آنذاك دخول نادي الكبار، وقد تسببّ لها ذلك في متاعب على مستويات عدة، يكفي في ذلك محاولة انقلابية سنة سبع وستين وتسعمائة وألف ميلادية، وعدة محاولات اغتيال للرّئيس بومدين في الدّاخل والخارج، وتكفي في ذلك الإشارة إلى مثال واحد ونصف فقط وهو تفجير الطائرة في سماء الفيتنام الّتي كان من المفترض أن يستقلّها، راح ضحيّتها خيرة مثقفي وصحفيي الجزائر آنذاك، بالإضافة إلى تذمّر الكثير من الجيران والأصدقاء من سياسة الجزائر الخارجيّة (لأن القوي أو من يريد مرتبة القوة يجب أن يكون كذلك)، ويمكن الرّجوع إلى مواقف تونس ومصر والمغرب وليبيا وموريتانيا ودول الخليج وتحالفاتها في تلك المرحلة لفهم تحرّكاتها في كثير من المرات أنّها تعبير مبطن منها في رفض سياسات الجزائر الخارجية.

هكذا تحوّلت الجزائر بعد وصول الرّئيس الرّاحل هواري بومدين إلى السّلطة عن طريق انقلاب عسكري، ودخول الجزائر مرحلة جديدة من مراحل بعث روح الحياة في المجتمع (بغض النّظر عن المواقف منه)، وتحوّل بلاد المليون ونصف المليون من الشّهداء إلى كعبة للثّوار، وملاذ للمقاومين والمعارضين في العالم…

هذه الجزائر ـ الّتي تخالف منظور سياسيينا اليوم- كان يفاخر مسؤولوها بأن لا شيء يحدث في القارة السّمراء وفي غيرها من مناطق الامتداد الحيوي دون علمهم أو استشارة أو ترتيب منهم، والكلّ يتذكّر تصرّف كارلوس بعد اختطاف وزراء النّفط في فيينا سبعينيات القرن الماضي وكيف أعاد تسوية العلم الجزائري على طاولة الوفد الجزائري بعد سقوطه، وفي هذا أكثر من دلالة آنذاك، وفي زمن الفقاقير الكلّ يعلم من ساهم في تسليم كارلوس على طبق من ذهب إلى فرنسا الاستعمارية، هذه الجزائر الّتي كانت مخابراتها مصدرا أساسيا ومهما في ترتيب كثير من المسائل على غرار ملف الحرب الأهلية اللّبنانية منذ بدايتها سنة خمس وسبعين وتسعمائة وألف ميلادية انتهاء باتفاق الطّائف، وملف الرّهائن الأمريكيين في إيران والطائرة الكويتية المختطفة زمن الرّئيس الرّاحل الشّادلي بن جديد.
المهم، لقد فرض سياق المقال العودة بذاكرتنا إلى شيء من التّاريخ الوطني لنزن الأشياء بميزان واحد بعيدا عن الذّاتية والصّنميّة، كي لا يزايد علينا أحد في الوطنية أو في التحليل الدّقيق الّذي لا تحليل وراءه، لنبتعد عن حكاية عبادة الشّخص الّتي ميّزت الكثير من التّحليلات أو التّرويج للانقلاب المزيّف بعد فشله من قبل من خابت آماله، لأنّه في نهاية المطاف كلّ فريق ولاسيما في الجزائر يعبّر عن أمله هو من المشهد التّركي (لا أتحدث في هذا المقام عن العقلاء وأصحاب التحليل المتوازن الّذي لم تنطل عليهم هذه الصنمية المحوّلة للرّأي العام)، ونادرا ما وقف القوم مع درجة الوعي ودورها في حماية اختيار الشّعب حتى لو اختار الشّيطان الرّجيم.
هل يعتقد من يمتلك مسحة من العقل أنّ إحباط محاولة الانقلاب في تركيا ترجع إلى زعامة وقوة شخصية الملهم رجب طيب أردوغان، وهل يعتقد من يمتلك مسحة من عقل أن أردوغان هو من دبّر عملية الانقلاب (على فرض أنّه هو من دبّرها له كامل التّحية على حسن الإخراج، فليس بمقدور أي كان الإخراج الجيد، فعلى أكادميي التّمثيل والمشرفين على هذا القطاع الاستفادة من خبرته)، في الوقت الّذي لم تكتشف فيه جموع المواطنين والفعاليات السياسية والمدنية التّركية على اختلاف مشاربها هذه الفبركة، رغم إجماع الكلّ عندنا على تصور واحد لحكاية استقالة الشّادلي بن جديد، واغتيال الرّئيس محمد بوضياف رحمهما الله وقبلهما التّصحيح الثّوري في الجزائر، حكايتها حكاية الرّبيع العربي في بداياته وأنّه مؤامرة (هل التّفقير والتّصحير والسياسات الفاشلة وخنق الحريات والسرقة والنّهب والبطالة وغيرها مؤامرة، ولماذا فرح الكثير منا بسقوط مبارك –ربما الحكاية مرتبطة بالجلد المنفوخ- وبن علي –حكاية سوسة والسياحة- ولم يفرحوا بإسقاط القذافي –مجرد تساؤلات-)، والقوم لا يفرّقون بين الموجة ومن يركبها، ولا لوم على الرّاكب إذا كان صاحب الموجة لا يعرف الحفاظ على موجته أو لا يحسن التّقدير، أو يستقوي بالخارج على خصوم الدّاخل، ولا أزيد على ذلك إلا بالإحالة إلى أقوال مسؤولينا الّذين قالوا بلسان واحد آنذاك “الجزائر صنعت ربيعها في أكتوبر 88” وفي هذا أكثر من دلالة.
في تقدير المنصفين أنّ ما أغاض أصحاب الأهواء والأماني والأمالي من هذا الطرف أو ذاك، أنّ الشّعب التّركي بجميع أطيافه وميولاته وإيديولوجياته خرج إلى الشّارع بأعلام بلده لا بصور الأصنام لمجابهة أي مصادرة لاختياره الحرّ، مستذكرين تبعات انقلاب ماي سنة ستين وتسعمائة وألف ميلادية الّذي جاء بالجنرال جمال جورسيل إلى السّلطة وما صاحبه من إعدام لرئيس الوزراء ومجموعة من زملائه في الحكومة، فضلا عن تسريح أكثر من ثلاثة آلاف ضابط وأكثر من ألف وأربعمائة أستاذ جامعي، وأكثر من خمسمائة قاض ونائب عام، فضلا عن الاعتقالات والتّعذيب الّذي طال كافة التوجّهات السّياسية، وغير بعيد عنه في الوحشية انقلاب الجنرال

الاهتمام الجزائري خصوصا باللّحظة التّركية مؤشر صحة لو أُحسن استغلاله، ولا داعي للحديث بأنّه لا دخل لنا في شؤونهم وما يماثلها من دعوات أصحاب الأشرطة المشروخة، وإلا كيف نطمح بأجمعنا لنعيش عيشة الأوروبيين في بلداننا وإلا لا دخل لنا في أوروبا؟…

كنعان إيفرين سبتمبر سنة ثمانين وتسعمائة وألف ميلادية وتبعاته المتمثّلة في اعتقال قرابة المليون شخص ومحاكمة عشرات الآلاف، والإحصائيات قدّرت وفاة قرابة ربع مليون شخص تحت التّعذيب من كلّ الأطياف السّياسية، فضلا عن آلاف المفقودين إلى اليوم، إذ يبدو أنّ هذا التّاريخ الدّموي للعسكر كاف في إخراج الملايين إلى الميادين لحماية الدّيمقراطية وخيار الشّعب، هذا ما كان علينا التّركيز عليه، كيف وصل ساسة تركيا ونخبتها ومجتمعها المدني إلى هذه الدّرجة من الوعي الّتي مفادها أنّ خطأ السّياسي المدني القادم بصندوق الانتخاب القابل للتّغيير والإزالة بشكل دوري (الانتخابات) خير بألف مرة من صواب العسكريّ القادم إلى السلطة على بحر من الدّماء والأشلاء، وقبل هذا وذاك فقد علّمتهم التّجربة أنّ التّنمية وتحسين مستوى المعيشة (التّحسين المؤسّسي لا الفردي) لا يتقنها إلا المدنيون الّذين تدرجوا في سلم المسؤولية من رئاسة البلدية إلى رئاسة الوزراء إلى رئاسة الجمهورية لا غيرهم.
وفي الأخير وفقا لتقديري فإنّ هذا الاهتمام الجزائري خصوصا باللّحظة التّركية مؤشر صحة لو أُحسن استغلاله، ولا داعي للحديث بأنّه لا دخل لنا في شؤونهم وما يماثلها من دعوات أصحاب الأشرطة المشروخة، وإلا كيف نطمح بأجمعنا لنعيش عيشة الأوروبيين في بلداننا وإلا لا دخل لنا في أوروبا؟ (عملتنا واقتصادنا واستقرارنا ووو مرتبط بهم ثم لا دخل؟؟؟؟)، وكلّنا نغبط الأتراك وقوفهم في وجه الانقلاب حقيقيا كان أم مفبركا، وقبلها نغبط تركيا الّتي كانت الجزائر أحسن منها بمراحل في نهاية الثّمانييات من القرن الماضي فقط، وبودي بعث رسالة إلى كلّ الأطراف عندنا في الجزائر والعالم الثّالث كما أشار إليها أحد الخبراء المنصفين بشيء من التّحوير، اعلموا يا قوم أن العدالة والتّنمية في تركيا حزب سياسي ديناميكي براغماتي معياره الكفاءة، وليس جماعة دينية ميكانيكية معيارها الولاء، فهل أسس داوود أغلو حزبا مثل تاج أو التّغيير أو الأرندي أو الأرسيدي أو جبهة المستقبل بعد الاستقالة من رئاسة الوزراء؟، بل هل نمتلك في الجزائر أحزابا سياسية أم جماعات دينية وإيديولوجية؟ -ارجعوا إلى سجل المحاكمات والاختلاسات والفساد والمحسوبية الّتي طالت الجميع بدون استثناء- خاصة لما نعلم –على سبيل الاستشهاد لا على سبيل الموقف- أنّ عموم إسلاميينا وعلمانيينا كان على قلب رجل واحد سنة اثنين وتسعين وتسعمائة وألف ميلادية، واليوم اختلفوا في اللّحظة التّركية.. غريبة كرة القدم في ذكرى ميلاد الشيخ مسعود.

(*) مواطن بلا صلاحيات

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

3 تعليقات

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

  • تعليق 5867

    nadir daily

    بصراحه هدا المقال تلاعب بميزاجي في دقائق فقط..وانا اقرأ تاره اتاثر وتاره اخري ابتسم لما اقرؤه.. قمه في الروعه وتالق في اختيار العبارات ناهيك عن غزارة معلوماتك من كل الميادين وكل المراحل التاريخية.

    • 0
  • تعليق 5945

    cherifi salim

    متى كان الإسلاميين و العلملنيين على قلب رجل واحد، لعلك تقصد أشباه اللإسلاميين و أشباه العلمانيين، و الدليل سانتي جيديوا.

    • 0

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.