من جديد، يحاول دونالد ترامب أن يعيد العالم إلى منطق القوة، متقمّصًا دور “رجل الإطفاء العالمي” الذي يطفئ الحرائق التي أشعلها بنفسه.
وها هو اليوم يسابق الزمن في حملته الجديدة ليفرض “سلامًا” في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفق قاعدة غريبة وخطيرة: فرض السلام بالقوة.
آخر هذه “المغامرات الدبلوماسية” جاءت عبر تصريحات مبعوثه تاجر العقارات “ويتكوف” الذي أعلن مؤخرًا أن واشنطن تعمل خلال ستين يومًا لعقد صلح بين الجزائر والمغرب..
آخر هذه “المغامرات الدبلوماسية” جاءت عبر تصريحات مبعوثه تاجر العقارات “ويتكوف” الذي أعلن مؤخرًا أن واشنطن تعمل خلال ستين يومًا لعقد صلح بين الجزائر والمغرب..
وأن بلاده ستتقدم بمقترح إلى مجلس الأمن يدعم اقتراح المغرب منح الحكم الذاتي للصحراويين، في الوقت الذي أكد فيه مستشار ترامب لإفريقيا أن الولايات المتحدة مع مغربية الصحراء الغربية.
لكن لا يمكن، في المنطق السياسي والعقلي، فرض السلام بالقوة، لأنّ السلام المفروض يتحوّل إلى حرب من نوع آخر، حربٍ بلا سلاح ظاهر، ولكنها تقوم على الهيمنة والإكراه والابتزاز.
فالسلام الحقيقي لا يُبنى على التهديد، بل على العدالة والاحترام المتبادل للحقوق.
@ طالع أيضا: أخطر سلاح بيد العدو؟
معظم “الإنجازات” التي يتباهى بها ترامب في إيقاف الحروب أو حلّ الأزمات، لم تكن إلا صفقات قهرية تمّت تحت الضغط والتهديد لا بالحوار والإقناع.
هي إملاءات مغلّفة بلغة دبلوماسية وليست وساطات نزيهة أو متوازنة. ويعتمد ترامب على آلة دعاية هائلة تثير الرعب وتضخّم الأزمات ثم تُقدّمه كبطل خارق يحلّها.
إنها خدعة سياسية تشبه ألعاب الخفة: يخلق المشكلة ثم يعود في هيئة “سوبرمان” ليطفئ النار التي أشعلها. الهدف ليس السلام، بل الهيمنة والسيطرة وإرباك العالم.
حديث المبعوث الأمريكي عن صلح جزائري–مغربي خلال شهرين يعكس جهلاً فادحًا بطبيعة الخلاف الذي يمتد لأكثر من نصف قرن.
حديث المبعوث الأمريكي عن صلح جزائري–مغربي خلال شهرين يعكس جهلاً فادحًا بطبيعة الخلاف الذي يمتد لأكثر من نصف قرن.
فلا يمكن حصر صراع بهذا العمق في مهلة لها أغراض دعائية أو انتخابية، ولا يمكن معالجته بقرارات فوقية أو بيانات إعلامية.
ومن العبث الخلط بين النزاع الجزائري–المغربي والقضية الصحراوية، فالأولى خلاف سياسي بين دولتين جارتين، أما الثانية فهي قضية تصفية استعمار مدرجة ضمن لوائح الأمم المتحدة.
الجزائر ليست طرفًا في النزاع، بل جار مراقب يدعم الحل العادل الذي يختاره الشعب الصحراوي عبر استفتاء تقرير المصير تحت إشراف الأمم المتحدة، كما أكد الرئيس عبد المجيد تبون مرارًا.
@ طالع أيضا: “وفاة بومدين”.. الحقيقة الغائبة!
من الخطأ والمغامرة أن تربط واشنطن مصير الشعب الصحراوي بخلاف ثنائي بين دولتين، وأن تتجاهل تضحيات الصحراويين وتعقيدات الملف الممتد منذ أكثر من خمسين سنة.
أما الخلاف الجزائري–المغربي فله أسبابه الموثقة كما بيّنها وزير الخارجية الجزائري السابق رمطان لعمامرة في ندوة صحفية مفصّلة بتاريخ 24 أغسطس 2021.
أهمها سماح الرباط لوزير الدفاع الصهيوني بتهديد الجزائر من أراضيها، والتآمر مع بعض القوى لضرب المصالح الجزائرية في الساحل الإفريقي، وفتح الأبواب أمام أجهزة الاستخبارات الأجنبية للعبث على الحدود بعد التطبيع مع الكيان الصهيوني.
من الخطأ والمغامرة أن تربط واشنطن مصير الشعب الصحراوي بخلاف ثنائي بين دولتين، وأن تتجاهل تضحيات الصحراويين وتعقيدات الملف الممتد منذ أكثر من خمسين سنة.
إلى جانب حملات إعلامية مضللة وشحنات من المخدرات والسموم التي تغرق الحدود الغربية للجزائر، فضلًا عن ضبط شبكات تجسس مغربية تعمل على خلق الفوضى والفتنة داخل الجزائر.
وفي خضم هذا المشهد، تتكشّف ملامح تآمرٍ مبيّت ضد حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، إذ تمارس كلٌّ من فرنسا والإمارات هذه الأيام ضغوطًا مكثفة على الدول الأعضاء في مجلس الأمن، لدفعها نحو تبنّي مقترح فرض السيادة المغربية على الصحراء الغربية.
هذه التحركات تتمّ في الكواليس عبر لقاءات ثنائية متفرقة تهدف إلى إقناع العواصم المؤثرة بالتصويت لصالح مشروعٍ يكرّس منطق البلطجة السياسية والابتزاز المالي بدل احترام مبادئ الشرعية الدولية.
@ طالع أيضا: بونعامة-السنوار.. نفس المحطة ونفس القطار!
وهو ما يكشف عن محاولة خطيرة لطمس قضية تصفية استعمار ما تزال الأمم المتحدة تُقرّ بأنها لم تُحل بعد، وتحويلها إلى صفقة نفوذ ومصالح على حساب إرادة الشعب الصحراوي وحقّه التاريخي غير القابل للمساومة.
الجزائر لا تُبتزّ ولا تساوم، ولن تقبل بأي وساطة تفرض عليها حلولاً منقوصة أو تُحدّ من سيادتها. موقفها واضح وثابت: هي مع الحل الذي يرضى به الصحراويون أيًّا كان، شرط أن يتم وفق الشرعية الدولية واستفتاء تقرير المصير.
فمن أراد السلام فليحترم العدالة والسيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، لا أن يفرضه بقوة المال أو الدعاية أو التهديد.
فلا سلام بالقوة والبلطجة… وحري بهذا الاستحقاق أن يتحقق بالحق والاحترام والحرية.
@ طالع أيضا: هل يعرف الرئيس موقف “بوجدرة” من الصحراء الغربية؟

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.