كان يوم عودتي للوطن عجيبا جدا، فقد وجدت الإعلام "الشبه رسمي" يعلن حربا شعواء على ليبيا والليبيين و الفريق الليبي ويتحدث عن اعتداءات وهمجيات وناتو وثوار وقذافي ..! والحال هذه فقد قررت العودة للمباراة لمشاهدتها وفهم ما حدث بعيدا عن الانفعال.
1- مالذي حدث؟ ما حدث هو مباراة كرة قدم سيئة المستوى بين الجزائر وليبيا انتهت بفوز الفريق الأقل سوءً بهدف يتيم قبل أن تلفظ ساعة الحكم أنفاسها. بعدها حدثت “مخاشنة” بين اللاعبين بدأها اللاعب رفيق جبور حسب يومية “الهداف” بشتم لاعبين ليبيين والتدخل العنيف على أحدهم وانتهت برد الكيل بعد صافرة الختام من طرف لاعب لا يقل عن جبور تهورا. أما عن الخسائر، فلم يمت أحد، ولم ترق قطرة دم واحدة، ولا تعرض لاعب جزائري أو ليبي لكسور خطيرة أو لخدوش ظاهرة.. وفي النهاية فإن كلمة “مخاشنة” تصف ما حدث تماما. وهي مخاشنات اعتدناها في كل ملاعبنا العربية المتخلِّفة.
2- كيف تصرفت الصحافة مع الحدث؟ انقسمت الصحف حسب الأقلام، فطالعتنا صحيفة النهار بعنوان سياسي “لا ثوار ولا ناتو” وتدرجت غيرها من الصحف في وصف الحدث من كلمة الاعتداء إلى الأحداث المؤسفة.
3- كيف يكون الرد على الأحداث؟ الرد الرياضي هو أن يتم معاقبة كل اللاعبين المتسببين فيما حدث، بدءً بجبور وانتهاءً بسلامة, هذا إن تم فتح تحقيق على مستوى الهيئتين الكروية للدولتين، وإن قررت الهيئتان أن الموضوع لا يستحق فسيتم ردمه، إلا أن رأى الاتحاد الإفريقي غير ذلك.
4- إذا كان الموضوع منتهيا فلم هذه الضجة في الصحف؟ في الواقع إنها ضجة يصنعها طرفان، طرف يحاول نقل ما شاهده وهذا طرف نلتمس له العذر في نقل مشاهداته وإن التمسنا منه أن لا ينفخ في الموضوع، والطرف الثاني صحافة مأجورة تريد تحويل المباراة إلى ساحة مشكلة حقيقية لأنها كتجار السلاح لا تعيش إلا في الحروب. ومادامت عاجزة في أوقات السلام عن تقديم إعلام مهني فهي تبحث في تثوير الأجواء ثم الاستثمار فيها.
ها قد انتهينا من الوصف والسؤال، وبقيت بضعة كلمات تستحق أن تقال لنا كجزائريين، وأولها هذه العاطفة العجيبة تجاه لاعبي المنتخب الذين لم يؤذ منهم أحد أذية تستدعي فتح تحقيق بوليسي فما حدث هو “مخاشنة” وكفى، و”عركة” عادية يحدث مثلها في ملاعبنا الكثير منها ولاعبونا خصوصا المحليون يعرفون هذه المظاهر، وبالتالي فالأمر لا يستدعي هذه المندبة التي تجعلنا أننا بعثنا من مجموعة من العذراى إلى المغرب وأن الليبيين كانوا وحوشا كاسرة اعتدت على عذارنا الحيّيات المستحييات.. إن لاعبينا رجال وقد تخاصموا مع نظرائهم في مشهد بائس خصومة شارع وكان 11 لاعبا ضد 11 فلم الصياح والولولة التي نراها؟ ومتى كان الجزائري يشتكي من خصومة شارعية يخوضها ضد ابن عمه أو أخيه؟ أم أن لاعبينا أولئك جاؤوا من كوكب لم يتعود فيه الناس على مخاشنة بعضهم بعضا؟
وبالنظر للمستقبل، فما آخر هذا “السوق”؟ لنكن واقعيين، إن تم إيذاء لاعب ليبي واحد في الجزائر فسنخسر اللقاء ونفقد فرصة التأهل لكأس أمم إفريقيا المقبلة، وإن تم رفع صورة سياسية واحدة في الملعب فسنكون تحت طائلة عقوبات الفيفا التي تمنع خلط السياسة بالرياضة، يعني أن الصحافة تشحن شبانا لن يستطيعوا لمس ليبي واحد ولا التأثير في لاعبي ليبيا بصورة واحدة.. ولن يستطيعوا فعل شيء.. وإن تجرؤوا فقد خسرنا كل شيء وخرجنا من “الكان” المقبلة بأيدينا!
لم يكن الجزائري يوما رجلا شاكيا باكيا ولم يكن فريقنا الوطني فريق عذراى بل فريق رجال وإن “تضاربوا” مع نظرائهم الليبيين فذلك شيء مألوف لدينا ولا داعي لمعاملة من سميناهم “المحاربين” بطريقة توحي أنهم مجموعة عذارى لا تصلح إلا لأكل كرموص النصارى!
صحفي جزائري
Aboutalebcheboub2@gmail.com
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.