زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

عن “الخيانة” والوطنية و”صُنّاع الكراهية”..!

عن “الخيانة” والوطنية و”صُنّاع الكراهية”..! زاد دي زاد

بمناسبة صعود موجة "صناع الكراهية" بيننا كجزائريين.. هذا مقال كتبته بالمناسبة قبل 3 سنوات.. عن "الخيانة" والوطنية.. عن سعيد سعدي وعبان رمضان.. عن بومدين وبن بلة.. عن مصالي الحاج.. عن علي كافي وبوضياف و "الرباعة".

*في القرون الوسطى، عندما كانت أوربا تغرق في ظلام الجهل، كان الاكليروس الكنسي، يبيع على من يعيشون جحيم التخلّف “صكوك الغفران”، للزناة والمجرمين لدخول الجنة.

لكن حدث، وبعد قرون من بزوغ عصر التنوير في أوروبا، أن ظهرت في بقعة من العالم الآخر، من اخترعوا صكوكا من نوع آخر، تسمى صكوط الخيانة والوطنية، تسلم وفق منطق الولاءات والجهوية، للزعماء والقادة، في إطار من تصفية الحسابات الإيديولوجية.

“التخوين” كما “التكفير”، صناعة حاقدة، لن يصل أصحابها مهما علا شأنهم، ومهما لمعت نجوميتهم، إلا إلى الحضيض الأسفل، وإلا إلى الدرك الأسفل من النار، حين تنتهي الأجيال القادمة إلى تعويذة تلعنهم بها..

هذه البقعة من العالم يسمونها الجزائر، بلد رائع وشاسع، نال استقلاله بالدم، بعد أكثر من قرن وربع القرن من الاحتلال، غير أنّ المفارقة، أن الذين ساهموا في هذا الاستقلال انقسموا إلى قسمين، كل واحد يرى في الآخر شيطان رجيم، وخائن وعميل، وأنه سيكون خالدا مخلدا في النار، ولن تنفعهم في ذلك صكوك غفران، ولن ينفعهم إنس ولا جان.

بالمحصلة، صرنا أمام كائنات حقودة، تستعمل التاريخ والوطنية، كما يستعمل البعض الشعارات الإسلامية، لأغراض بعضها سياسية، وبعضها الآخر عنصرية جهوية عرقية مقيتة جدا. وسوف لن أسرد الكثير من الحكايا، لأن آخر المحطات وحدها كافية، لندرك أنّ “التخوين” كما “التكفير”، صناعة حاقدة، لن يصل أصحابها مهما علا شأنهم، ومهما لمعت نجوميتهم، إلا إلى الحضيض الأسفل، وإلا إلى الدرك الأسفل من النار، حين تنتهي الأجيال القادمة إلى تعويذة تلعنهم بها، حين يدركون أنّ “صناع الكراهية”، هم دمّروا حقهم في الحصول على وطن كامل من المحبة والتناغم. وفي آخر المحطات، ليس أمامنا إلا أن نرخي السمع لهذا “الكولومبو” الصغير، بتعبير مهدية بن بلة، وهو يضرب كالمنايا خبط عشواء، من تصبه يصير خائنا وعميلا و”بن كلب”، ومن تخطئ فيا لحظه العظيم. لقد خون سعيدي سعدي الجميع، مصالي الحاج خائن، بن بلة عميل، بومدين مجرم، علي كافي عنصري حاقد .. فماذا بقي من شرفاء غير سعدي ونور الدين آيت حمودة؟.

ليست المشكلة في أن نكتب التاريخ، إنما هي بأي حبر نكتبه؟ وضمن أي قاعدة؟ شيشرون يقول إنّ القاعدة الأولى في كتابة التاريخ ألا نقول “زيغا”، أمّا الثانية فهي أن نتجرّأ على قول الحقيقة “فهل الحقيقة في الجزائر هي الزيغ فقط؟”.

من المهم التذكير أيضا، أن بلة الذي اتهمه سعدي بالعمالة لمصر، سبق وأن وقع أيضا بدوره في ذات المطب سنة 2002، حين فجّر قنبلة مدوّية في برنامج “شاهد على العصر” بقناة الجزيرة، حين وصف مؤتمر الصومام، بأنه “أوّل محطة للردة والخيانة، تم الانقلاب فيه على روح الثورة ومنطلقاتها ورجالها وانتمائها الأصيل، واتهم عبان رمضان بالوقوف وراء ذلك لأنه لم يكن يؤمن لا بالعربية ولا بالإسلام”..

ما يردّده سعدي دائما عن الخونة، لا يحتاج إلى رد، لأنه يحيلنا إلى تحويل تسعة أعشار المجاهدين إلى مرتزقة ولصوص، وهو أمر يحيل إلى احتقار الذات، وطلب الإعتذار من فرنسا على قتالها، كما يجعل من الأجيال الصاعدة مجرّد قطيع لأحفاد الخونة. وهنا من المهم التذكير أيضا، أن بلة الذي اتهمه سعدي بالعمالة لمصر، سبق وأن وقع أيضا بدوره في ذات المطب سنة 2002، حين فجّر قنبلة مدوّية في برنامج “شاهد على العصر” بقناة الجزيرة، حين وصف مؤتمر الصومام، بأنه “أوّل محطة للردة والخيانة، تم الانقلاب فيه على روح الثورة ومنطلقاتها ورجالها وانتمائها الأصيل، واتهم عبان رمضان بالوقوف وراء ذلك لأنه لم يكن يؤمن لا بالعربية ولا بالإسلام”.

وقتها أذكر أنّي أحسّست بألم عميق، فقائد عظيم مثل بن بلة، كان سيكون أكبر بكثير لو عبّر عن رأيه، دون دائرة التخوين، على الرغم من أنّ بن بلة اكتسب فيما بعد عطفا واسعا، عندما انبرت خليدة تومي وقد كانت وقتها وزيرة للثقافة والإتصال وناطقة رسمية باسم الحكومة لترد “التاريخ من اختصاص المؤرخين”.
طبعا كان ذلك هراءً كبيرا، فبن بلة ليس مؤرخا بل صانعا للتاريخ، تماما مثلما هو مصالي الحاج، صانع للتاريخ وأزقته وحواريه، وكذلك بومدين وكافي، وكذلك عبان رمضان.
فما لم يكن يعلمه سعدي، أو هو يعلمه يقينا ولا يريد الاعترف به، أن مصالي مثلا، علاوة على أنه أول من طالب باستقلال الجزائر عام 1927 في مؤتمر، كان أعظم من أن يسخر منه ديغول، فلقد كان باعترافه أرفع شأنا من ستالين وتشرشل وجميع عظماء العالم.

هكذا يقدر الأعداء الرجال، فكيف يصير خائنا، ويكون من ورائه كل جزائري يؤمن بعروبته وإسلامه، عميلا لمصر والمشرق العربي، أو هو امتداد كما يتوهم بعض المرضى، للاستعمار العربي في الجزائر “البربرية”؟. أليست هذه مأساة وملهاة في الآن نفسه؟!، ولماذا لا يتحدث سعدي ومن على شاكلته من وكلاء الوطنية الحصريين في الجزائر، عن عملاء فرنسا في الجزائر، وعن الخونة الحقيقيين الذين أعلنوها صراحة، قبل الاستقلال وبعده، أن هدفهم لم يكن يوما الاستقلال، بل الاندماج الكامل مع فرنسا، ثقافيا وحضاريا ضمن دائرة وبدعة “الانتماء المتوسطي”.
مالك بن نبي مثلا، كان كبيرا وسيبقى كذلك، لكونه لم يخن جمعية العلماء والتمس لها الأعذار لعدم وجودها في الصفوف الأولى للثورة، بينما خوّنها محفوظ بنون وسعيد سعدي وبوضياف، وهنا يكمن الفرق بين صناع المحبة وصنّاع الحقد الدفين.

لقد كان تدخل خليدة تومي، التي هي فرع من شجرة الأرسيدي الوارفة، ثاني تدخّل من النظام دفاعا عن عبان رمضان، بعد مصادرة مذكرات الرئيس الأسبق علي كافي، واتهامه بالقذف في حق عبان رمضان..

لقد كان تدخل خليدة تومي، التي هي فرع من شجرة الأرسيدي الوارفة، ثاني تدخّل من النظام دفاعا عن عبان رمضان، بعد مصادرة مذكرات الرئيس الأسبق علي كافي، واتهامه بالقذف في حق عبان رمضان.

وللغاربة، وقتها لم يتحرّك دعاة حرية التعبير المزيفين، كما تحرّكوا اليوم، دفاعا عن حرية التعبير مع سعيد سعدي، وهؤلاء نسوا وتناسوا طبعا، أنّ الاضطهاد الفكري مارسوه هم أنفسهم قبل غيرهم، عندما أصدرت محكمة بئر مراد رايس قرارا بمصادرة مذكرات علي كافي، وإلزامه بإعادة طبعه مع حذف جميع الأجزاء التي فيها مساس بالسيد عبان رمضان.

لماذا لم يكن التاريخ حينها من اختصاص المؤرخين؟ ولماذا يستغربون اليوم تحرّك وكيل الجمهورية للتحقيق في اتهامات سعيد سعدي التي وجهها ضد كل من يخالفونه الرأي والتفكير بالخيانة. لقد ظل سعيد سعدي، وحزبه الأرسيدي، يعتبر أنّ عبان رمضان، ومحمد بوضياف فقط، من كانا قادرين على قيادة الجزائر نحو الحضارة والتقدم، وهذا إجحاف كبير لبلد أنجبت ملايين الشرفاء، الذين سقطوا دفاعا عن أرضها، لكن سعدي وآيت حمدوة يصرّون أنهم بضع آلاف فقط، فأرض كالجزائر لا تحتمل كل هذا العدد من الوطنيين الأنقياء، بل تتحمّل أن تحمل على ظهرها الخونة والعملاء فقط.

لقد عشنا انقلابات كبيرة في الجزائر، حين كان لزاما على من صنعوا الثورة أمثال كافي وبن بلة الصمت، بينما الذين التحقوا بالثورة في الربع الساعة الأخير من ضباط فرنسا، وكولومبو الصغير، يتكلمون بحرية، دون أن يرد عليهم أحد. فلقد اختفى مؤرخون كبار في صمت، اختفى الدكتور أبو القاسم سعد الله ولا أحد قدّم له التعزية، وتوفي الدكتور بلعيد في صمت أيضا، كما جُرجر حيا للمحاكم لأنه دافع عن مصالي، وذهب إلى ربه أحمد محساس، من دون أن يقال له وداعا، وهو الذي قال إنّ عبان رمضان حاول اغتيالي ولم ينجح. هل كان مصالي خائنا، وهو الذي أحبط المؤتمر الإسلامي ومشروع بلوم فيوليت هذا المشروع الذي كان يقترح المواطنة الفرنسية للنخبة الرسمية التي لا تتجاوز وقتها التسعين ألفا؟ . على محتكري الوطنية أن يجيبونا دائما بهدوء، وبلا تشنجن.

إذا كان البعض يرى فعلا أن زجاجة الخمر هي من تجمع شتات هؤلاء وهؤلاء، الشرفاء والخونة، أتباع فرنسا وأتباع مصر والسعودية، فالحقيقة هي أنّ الجزائر هي التي تجمع الجزائريين، وليس غير ذلك..

إلى أين سيستمر هذا الصراع الأهوج؟، صراع الإيديولوجيات الفارغة على حساب الوطن، وقد رد أحدهم على كافي، عندما تحدث هذا الأخير عن تغلب التيار التغريبي اللائكي على التيار العروبي الإسلامي بالقول “إنّ زجاجة الخمر هي ما يجمعنا أيها البعثي الأصولي”. إنه، إذا كان البعض يرى فعلا أن زجاجة الخمر هي من تجمع شتات هؤلاء وهؤلاء، الشرفاء والخونة، أتباع فرنسا وأتباع مصر والسعودية، فالحقيقة هي أنّ الجزائر هي التي تجمع الجزائريين، وليس غير ذلك، هذه الأرض الطيّبة، التي حمل ترابها مصالي الحاج في ملعب بلوزداد، قبل أن يولد سعيد سعدي أصلا، في 2 أوت بملعب بلوزداد ليقول للفرنسيين قبل الجزائريين “هذه الأرض ليست للبيع، فالشعب الجزائري هو صاحبها ووارثها، هذه البلاد لا تدمج ولا تستعار”.
زجاجة الخمر ليست هي من يجمع هؤلاء بهؤلاء، بل هي الجزائر الكبيرة، أيها “الكولومبو” الكبير.

الأربعاء 7 جانفي 2015

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.