زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

سارق الكتب

سارق الكتب ح.م

تحتفي فرنسا في 19 ديسمبر من كل عام بذكرى ميلاد جان جينيّ Genet Jean، آخر الشعراء الملاعين، سارق الكتب، وصديق كلّ القضايا الخاسرة في العالم.

وقد رأى البعض في هذا الاحتفاء مفارقة، لأن جيني اشتهر بكرهه لفرنسا وتبرمّه من قيّمها الرجعية، وعاش على هامش مؤسساتها البورجوازية، مشرّدا، هائما على وجهه من ميناء إلى مرفأ، ومن سجن إلى أسر، بلا هوية، يشبه المتنبي حين وجد نفسه، وهو يبحث عن تعلّله في الوجود، ”بلا أهل ولا وطن ولا نديم ولا كأس ولا سكن”، لا يملك إلاّ حقيبة أسفاره البالية، يدوس كلّ القوانين والأعراف، يحتقر المال، ولم يدفع في حياته للخزينة ضريبة، وليس له من متع الدنيا إلا شذوذه الجنسي.

وقبل أن يموت عام 1986 وحيدا في فندق بباريس أوصى أن ينقل جثمانه إلى المغرب ليدفن في مقبرة، غير بعيدة عن سجن وماخور، بمدينة منسية مطلّة على المحيط الأطلسي.

zoom

بعد ست سنوات هرب من الثكنة، وبدأت حياة تسكّعه وتيهه مع بحارة موانئ أوروبا وأقبيّتها المظلمة، ثم بعد ذلك في بلاد الشام واليمن والسودان وتونس والمغرب والجزائر..

zoom

وهكذا ونكاية في بلده، فإن لقيط الشمال وشاعر الأثرة، كما كتبت عائشة البصري “وهب جسده لأرض الجنوب”. فلا غرابة، إذن، أن تنبذه فرنسا المحافظة منذ أن كان شابا يافعا، وتزجّ به في غياهب سجونها عدّة مرات بتهمة السرقة والتهريب وسوء الأخلاق. غير أن فرنسا تحسن، أيضا، التكفير عن ذنوبها واسترجاع مجد أبنائها العاقين لتصنع من خلالهم مجدها الثقافي في التاريخ.

لقد ولد جون جيني في 1910، وهو الآن- لو كان حيّا- لبلغ أكثر من مئة عام. أبوه مجهول، أما أمّه فقد تخلّت عنه، وهو رضيع، فتكفّلت به مؤسسة المساعفة الاجتماعية. وظل طيلة حياته يحمل هذا الجرح كقدر محتوم، حدّد، في اعتقادي، حقده على الآخرين، ونفوره من أيّ شكل من أشكال الحسّ السليم، ومزاجه الحاد، وتيهه البوهيمي الشبيه ببوهيمية آرتير رامبو.

دخل عدة مرّات السجن بتهم مختلفة، منها سرقة الكتب، وألّف كتابا بعنوان ”يوميات سارق”. كتب بلغة منمّقة وجريئة أبهرت معاصريه. وكاد أن يسجن مدى الحياة لو لا تدخل سارتر وكوكتو وبيكاسو، فعفى عنه الرئيس الفرنسي أوريول.

ولقد ضاقت به الآفاق في فرنسا، فهجرها إلى آفاق أرحب. وانضم، بحثا عن المغامرة والأحاسيس المحظورة، إلى اللفيف الأجنبي وأصبح من شذاذ الآفاق، وبعد ست سنوات هرب من الثكنة، وبدأت حياة تسكّعه وتيهه مع بحارة موانئ أوروبا وأقبيّتها المظلمة، ثم بعد ذلك في بلاد الشام واليمن والسودان وتونس والمغرب والجزائر.

zoom

والمفارقة العجيبة عند جون جيني ومواقفه هي تمجيده لقيّم الشر والانحراف والشبق والمجون في إبداعه ووقوفه، في الوقت نفسه، إلى جانب كلّ قضايا الأقليّات المضطهدة والقضايا العادلة، والخاسرة مسبقا، في العالم.
ويخطئ من يظنّ، كما تقول عائشة البصري، ”اعتبار جون جيني ثوريا”، فإذا كان رامبو قد أراد أن يغيّر الحياة، وماركس سعى لتغيير المجتمع، فإن جيني لم يكن يريد أن يغيّر شيئا.

zoom

والصلة بين جون جيني والجزائر قديمة الأواصر. بدأت بعلاقته المشبوهة مع جزائري متشرّد غريب الأطوار، اسمه محمد، ولم يكن جيني من موقّعي بيان121 الشهير المندد بالحرب في الجزائر، لكنه في بداية الستينيات كتب مسرحية ”الحواجز الواقية” Les paravents التي صوّر فيها مواقف نماذج بشرية متضاربة (ضباط، خونة، مومسات، أناس عاديون الخ…) من استقلال الجزائر، معريّا فيها الدعاية الرسمية.

وقد أثارت المسرحية آنذاك فضيحة حقيقية. وتعالت أصوات المتطرفين في باريس والجزائر لمنع عرضها ومحاكمة صاحبها.

وواصل جون جيني التعبير عن تنديده بالاستعمار ومنطق الهيمنة، فسافر إلى الولايات المتحدة للقاء الفهود السود، وأيّد الألوية الحمراء في ألمانيا، والتقى ياسر عرفات وليلى شهيد ومحمود درويش. وكان أول أوروبي يدخل سنة 1981 مخيّم صبرا وشتيلا، وأول شاهد ومندّد بفظائع المجزرة. ولو عاش إلى اليوم لأتهم بالإرهاب ومعاداة السامية ولصدرت ضده مذكرة بحث دولية في الأنتربول.

إن جون جيني، فعلا، حالة خاصة في الوسط الأنتيليجنسي الفرنسي. يقول إدوارد سعيد، وهو يتحدث عن خيبة أمله من موقف سارتر من الفلسطنيين، ”إن سارتر كان يختلف جذريا عن معبوده وصديقه القديم جون جيني الذي، احتفى بشغفه الغريب بالفلسطينيين لمّا أقام فترة طويلة بينهم، ولمّا كتب، أيضا، كتابه الرائع ”أربع ساعات في صبرا وشتيلا” وكذلك ”الأسير العاشق”.

zoom

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.