تمر اليوم سنة كاملة على فاجعة رحيل الأستاذ والإعلامي الكبير بشير حمادي، الذي وافته المنية يوم 23 نوفمبر 2016 بعد تعرضه لنزيف داخلي في أحد الأوعية الدموية، وذلك بشكل مفاجئ وهو يزاول المهنة التي أحبها وأحبته وتركت أثرا عميقا في نفسه كما ترك هو تاريخا كبيرا في صحائفها..
وبهذه المناسبة ننشر شهادة لأقرب المقربين إليه وهو شقيقه الكاتب الصحافي خير الدين حمادي، فليس هناك من قد يعبر عن المأساة أفضل من شقيقه أو أفراد عائلته..
وإليكم المقال كاملا كما نشر ه المعني على صفحته في فيسبوك.
رسالة إلى روح بشير حمادي،، أو من تحرش به الموت غير ما مرة..!!

بقلم: خير الدين حمادي
يوم 23 نوفمبر الجاري تمر سنة على رحيلك عنا إلى دار الخلد. رحلت فجأة وفي اللحظة التي كنا مطمئنين فيها على أحوالك.. كيف لا وأنت كنت منتصف نهار ذلك اليوم ترتشف القهوة قبالة البريد المركزي بالعاصمة، ليسقط خبر وفاتك ساعتين بعد ذلك. خبر استقبلناه استقبال كذبة أفريل … وليت الشهر كان شهر أفريل..!!
لقد تحرش بك الموت غير ما مرة.. فبعد ولادتك مباشرة اعتبرتك عجائز الدوار حالة ميؤوس منها بفعل نحافتك الشديدة.. كن يتوقعن ألا يطول بك العمر لترى الدنيا.. وحين كبرت لازمتك تلك النحافة إلى أن قال لك الطبيب أنك مريض بالقلب. مجرد الحديث عن مريض بالقلب مطلع السبعينيات كان بمثابة الحديث عن شخص سيودع الدنيا قريبا. الخدمة الوطنية هي التي زرعت فيك وفينا الأمل، حين أكد لك طبيب الجيش أنك لست مريضا بالقلب وأن تشخيص الطبيب المدني كان خاطئا، فدبت فيك الحياة من جديد.
عام 1978 تحرش بك الموت بجدية.. كنا نعيش سويا في شقتك بحي العناصر. وقتها وككل الشباب كنت تلبس سلسلة معلق بها سمكة معدنية صغيرة.. وحدث في إحدى الليالي أثناء نومك أن انغرست زعنفة السمكة في رقبتك دون أن تستيقظ من النوم. كان النزيف حادا إلى درجة أنك لم تقو على النهوض صباحا من كثرة ما فقدت من دماء وكنت يومها أقرب إلى الموت من الحياة….
سنوات الارهاب جعلت منك محل شبهة بفعل لحيتك التي رفضت التفريط فيها. كنا نترجاك أن تحلق لحيتك، لأنها صارت مصدر بلاء وتوقيفات في السدود الأمنية، لكنك رفضت وقلت أن الأجل بيد الله. كنا حين تغيب نتوقع الأسوأ لكن الله ستر…
وحين زالت من منظورنا كل الأخطار خطفك الموت منا وبسهولة … رحلت عنا ليس بالسكتة القلبية كما يعتقد كثيرون، بل بنزيف داخلي في أحد الأوعية الدموية … يبدو أن لعنة السمكة الصغيرة التي رميتها إثر نزيف 1978 ظلت تلاحقك، إلى أن تمكنت منك.
برحيلك خالفت اعتقادا طلسميا ساد وسط عائلة حمادي مفاده أن الزوجات في هذه العائلة عادة ما يتوفاهن الأجل قبل الأزواج، ليعيش الزوج بقية حياته أرملا.. فإن أعاد الزوج الأرمل الزواج يوافيه الأجل قبل الزوجة الثانية…!! لكنك رحلت وتركت زوجتك أطال الله في عمرها تبكيك كالخنساء.. كان الله في عونها وعوننا.
نم قرير العين أخي العزيز … فقد تركت لنا سعة الأرض محبة… شيء واحد لم ننتبه إليه في حياتك. فرغم الوسط الإعلامي الذي كنت فيه، ورغم الأضواء المسلطة عليك، لم تترك لنا شريطا بالصوت والصورة … كل ما تركت لنا هو كما هائلا من الصور، لكن دون صوت وصورة… واغتنم هذه المناسبة لأتوجه لكل من لديه شريط فيديو مصور به مشاهد للراحل بشير حمادي أن يتصل بي وسأكون له من الشاكرين….
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.
تعليق 6576
هي لعنة أصابت الوسط الإعلامي.
فالذي نجا من التصفية المهنية، تهميشا و تجويعا و إقصاء، تداركته المنية.
و بشير كان نموذج الصحافي النقي، الذي بقي، (رغم الأنواء و الضربات القاضية)، بقي واقفا محافظا على طهارته.
و من بقي بعده ندم. ندم لأنبشير ترك لهم غصة في الحلق: منهم خلصاؤه الذين ندموا على أنهم لم يستزيدوا منه و لم “يشبعوا منه” كفاية.. و الآخرون ندموا لأنهم حُرموا من تصحيح خطاياهم معه، و هم كثر…
بقيتُ، عبر الهاتف، أحثه على طبع مخطوطه المؤرخ لتجربته في الصحافة المستقلة. و كان، رحمه الله، يقول لي بأنه أكمله، لكنه تذكرا أمرا يجب عليه تداركه..و في معرض الكتاب المقبل سيكون جاهزا… حتى باغتته المنية.. رحمه الله…