زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

حي القصبة العتيق.. ماض عريق ومستقبل مجهول

حي القصبة العتيق.. ماض عريق ومستقبل مجهول ح.م

وسط شوارع حي القصبة العتيق وبين أركانه التاريخية تبقى الذكرى محفوظة بأمانة لتعود كل مرة طوعا، تسرد ما تحمله من بطولات وملاحم وتعرض صوروجوه أناس من زمن الطيبين، ما زالت حكايتهم الأولى حاضرة رغم رحيلهم الأخير.

مهما اختلفت الدروب وتشعبت المسالك المنحدرة في المكان الأثري تبقى الحقيقة واحدة، وهي أن موروثا لا يقدر بثمن مكنوز بقلب العاصمة الجزائرية يفيض أصالة وتاريخا يستحيل أن يندثر.

وجود حي القصبة يعود إلى العهد الفنيقي، وبعدها غزاها الرومان، ومن بعدهم جاء الاحتلال الوندالي، لكن الشواهد قليلة على ما عايشته المنطقة إبان تلك الفترة، فأغلب المعالم التاريخية والآثار اندثرت.

بين جدران الدواوير التي بدأت بالتداعي مع تآكل دعائمها وتهاوي لبناتها القديمة، مازالحب البقاء طاغيا على حتمية الرحيل، معغياب التواصل والصراع بين الأمانوالخوف المحظور من تخطي عتبة ما تبقى من أبواب مفتوحة، عمَّر تحت أسقفها المرفوعة أجيال متتالية، مازالت تراهن على الاستمرار بوجل وترقب وفق نظرات مستقبلية متفائلة بعبق ماض مشرق.

القصبة.. حالة إبداعية في انتاج عمراني

يقصد بالقصبة أكبر قرى في الضواحي، كما يسمى وسط المدينة بالقصبة أيضا، حيث يحصن المكان بأسوار عالية بمداخل رئيسية محروسة من قبل العسس، لحماية السكان وممتلكاتهم، وتوفير ظروف عيش ملائمة وسط نظام اجتماعي متماسك، يخضع لسلطة القائد من أعلى مرتبة إلى أدناها بدءا بالسلطان وصولا للأب، أين يعرف كل فرد حقوقه ويقوم بواجباته بضمير جمعي حي يساهم في تماسك البناء الإنساني ويمد صروح القيم عاليا.

حسب المصادر التاريخية فإن وجود حي القصبة يعود إلى العهد الفنيقي، وبعدها غزاها الرومان، ومن بعدهم جاء الاحتلال الوندالي، لكن الشواهد قليلة على ما عايشته المنطقة إبان تلك الفترة، فأغلب المعالم التاريخية والآثار اندثرت.

ويكيبيدياzoom

نظرة على فناء منزل في القصبة

تؤكد بعض الآراء أن القصبة بناها الجزائريون من أبناء بولوغين بن زيري، حيث وضعوا الأسس الأولى لها وفي حيز ضيق، لتبدأ الأشغال الكبرى في العهد العثماني، إذ قام القائد عروج بربروس عام 1516م بمد مشروع التعمير فيما أكمله خيدر باشا عام 1592، أين تم تشييد مجمع سكني مازال قائما لحد اليوم…

وتؤكد بعض الآراء أن القصبة بناها الجزائريون من أبناء بولوغين بن زيري، حيث وضعوا الأسس الأولى لها وفي حيز ضيق، لتبدأ الأشغال الكبرى في العهد العثماني، إذ قام القائد عروج بربروس عام 1516م بمد مشروع التعمير فيما أكمله خيدر باشا عام 1592، أين تم تشييد مجمع سكني مازال قائما لحد اليوم، وهو عبارة نسيج عمراني فريد تتشابك فيه المنازل على طول منحدر في موقع استراتيجي فوق هضبة بارتفاع 118 متر مطلة على البحر الأبيض المتوسط، مما يسمح بتوفير رؤية واضحة للقاعدة العسكرية التي أقامها العثمانيون آنذاك.

حرص العثمانيون على بناء مساجد تنفرد بتصاميمها المعماريةالراقية، منها جامع كتشاوة نسبة إلى السوق المجاور حيث كانت تباع الماعز، وحوله الدوق دو روفيغو في ظل الاستعمار الفرنسي إلى كنيسة، بعدما قام بمجزرة في حق المسلمين الذي رفضوا قراره، حيث قتل حوالي أربعة آلاف مصلي وأحرق كل مصاحف الجامع وجعل منه إسطبلا.

كما تم تشييد بنايات ضخمة وفخمة، صممت وفق الطراز التركي، وبيوتا مشابهة لها لكنها بحجم أصغر، تتخللها أزقة ضيقة ومتداخلة، تم تحصينها من مختلف الجوانب بعدة أبواب منها باب البحر، أما من الجهات الأربعة فيوجد باب الوادي غربا، باب عزون شرقا، باب الدزيرة ( الجزيرة) شمالا وباب جديد جنوبا، وهذه الأبواب هي المنافذ الرئيسية التي تغلق في الليللتظل المدينة آمنة، ومنها سميت بـ” المحروسة“.

عاش السكان فترة من الهناء والأمن والرخاء، وشهدوا رقيا حضاريا تشهد المعالم التاريخية عليه، منها القلعة أو ما يعرف بـدار السلطان، وقصر الباي الذي بني في القرن السادس عشر وصار مقرا للسلطة عام 1816، ويضم قصر الداي ومسجده، قصر البايات، حصون عسكرية ومسجد للقوات الإنكشارية، حدائق ونوافير المياة وحمامات.

كما توجد قصور أخرى مثل: دار عزيزة، دار حسن باشا ودار خداوج العمية وكلها صارت مقصدا للزوار من الداخل والخارج فما بها من تاريخ وعجائب لا يمكن إيجاده في مكان آخر.

ح.مzoom

القصبة التاريخية

يمتد حي القصبة من أعلى دار السلطان نزولا إلى ساحة الشهداء أين تم اكتشاف آثار تاريخية، بعد القيام بأشغال لإنشاء محطة مترو منذ عام 2013م، وقد عثر على أروقة رومانية وأرصفة فسيفساء لإحدى الكنائس القديمة تعود للقرن الخامس،فضلا عن مقبرة بيزنطية كبيرة تحتوي على 71 قبرا مرتبطا بالقرن السابع.

وفي عام 1992م صنف حي القصبة ضمن قائمة مواقع التراث العالمي لليونسكو لما لها من قيمة ثقافية وثراء تاريخي مازالت شواهده حية ومنابعه جارية.

عيون القصبة المفتوحة

ح.مzoom

عين مزوقة بالقصبة

حسب ما تشير إليه بعض المصادر أن حي القصبة ضمَّ مئات العيون المائية قديما، ولكن معظمها قد طمس، مثل عين المالحة القربية من دار السلطان، ولم يتبق منها سوى ست عيون متدفقة لحد الساعة، وهي: عين مزوقة، عين سيدي امحمد شريف، عين بير جباح، عين سيدي رمضان، عين بير شبانة وعين علي مدفع.

وتتميز هذه المنابع المائية كونها المصدر الرئيسي للماء الشروب لكل سكان القصبة، حيث تم بناؤها عند مدخل كل زقاق لتكون في الواجهة ومنبع ماء يستقبل كل وافد ويروي عطشه.

كما تستغل هذه المياه العذبة في العبادة كالوضوء، خاصة تلك العيون المقابلة للمساجد، وللأسف فقد نضب أغلبها وتم إغلاقها، أو تعرضت للهدم مثل: زوج عيون التي تهدمت وكان مقرها قرب سوق لالاهم مقابل مسجد علي بتشين وهو القائد والأميرال الإيطالي ألبيريكوبتشينيو–طيب الله ثراه- الذي شيده بعدما أسلم وغير اسمه ويصير مدافعا عن الإسلام والمسلمين.

في عام 1992م صنف حي القصبة ضمن قائمة مواقع التراث العالمي لليونسكو لما لها من قيمة ثقافية وثراء تاريخي مازالت شواهده حية ومنابعه جارية.

الثورة الجزائرية في أحضان القصبة

معركة الجزائر من مرادفات حي القصبة عدلا، فمع بداية ثورة التحرير المباركة عام 1954م كانت المنطقة حاضنة للنشاط الثوري، حيث أن أغلب الثوار من سكانها أو أووا إليها، وقد ساعدت طبيعتها المعمارية التي يصعب على قوات المستعمر التوغل فيها في التحصن والحماية، حيث اكتفت بفرض الحصار على مداخلها الرئيسية، لكنها سرعان ما لجأت لسياسة القصف وتدمير المساكن، وكل ما يمكن أن يحمله الغازي الصليبي من بشاعة لمحاربة المعتقد وطمس الهوية وسرقة الأرض وخيراتها.

لم يهتم المستعمر إلا بالحفاظ على مصالحه وبسط نفوذه ولو يقتل الأبرياء في عمليات عسكرية وسط مجمعات سكنية.

ويظل المنزل رقم 5 في شارع ديزابرام الشهير يحتفظ بالكثير من الحقائق التي أخفاها الأرشيف الفرنسي في أدراجه ورفض كشفها، فقد استشهد فيه كل من علي عمار المعروف بـ“على لابوانت”، حسيبة بن بوعلي، محمود بوحميدي، والطفل عمر ياسف -رحمة الله عليهم- صبيحة الثامن أكتوبر/ تشرين الثاني 1957م بعد تفجيرهم أحياء في جريمة موثقة.

المصدر: ويكيبيدياzoom

أطلال المنزل الواقع في 5 شارع، والذي كانت بمثابة ذاكرة التخزين المؤقت لعلي لا بوانت وحسيبة بن بوعلي وبيتي عمر وحميد بوحميدي، بعد تدميرها من قبل المظليين من، 8 أكتوبر 1957.

يمكن الجزم أنه من كل نافذة من بيوت القصبة تطل قصة بطل أو أكثر عاشوا وناضلوا لتحرير أرض الجزائر الطاهرة، مع ذكرى متخمة بجرائم مستعمر فرنسي ادعى زورا التحضر والمدنية، وهو يخفي وجها بشعا للظلم والهمجية أبى سيف الجهاد المقدس إلا أن يضع اللثام عنه، ويرفع شأن أبطال وقفوا ببسالة في ميدان الشرف لتنعم الأجيال بالحرية وتحافظ على الهوية والقيم.

تستغل هذه المياه العذبة في العبادة كالوضوء، خاصة تلك العيون المقابلة للمساجد، وللأسف فقد نضب أغلبها وتم إغلاقها، أو تعرضت للهدم مثل: زوج عيون التي تهدمت وكان مقرها قرب سوق لالاهم مقابل مسجد علي بتشين وهو القائد والأميرال الإيطالي ألبيريكوبتشينيو…

زمن لن يندثر

لا تختلف أرجاء القصبة عن بعضها كثيرا، فتكاد تكون الممرات الضيقة المعروفة بالزنيقات متماثلة، ويمكن للزائر أن يتوه في تلك المضايق الملتفة بتناسق، والتي يقبع في زواياها حرفيون مهرة يتقنون ما توارثوه أبا عن جد من حرف تقليدية متقنة ومقننة، مثل صناعة النحاس، الخشب (النجارة والنقش)، الجلود والحلي، لكنها حرف في طريقها للزوال إن لم تجد الدعم في أقرب وقت.

كما تهتم النساء بتعليم الفتيات حرف وصناعات آيلة للزوال أو ما يطلقن عليه تسمية الصنعة، فقد اهتمت الجدات قديما بممارستها،لاستغلالها في قضاء حوائجهم اليومية، لا سيما في المواسم والمناسبات، مثل الطرز اليدوي، الفتلة والمجبود والشبيكة، وكذلك عن صناعة الحلويات العاصمية الأصيلة والشهيرة، حيث مازالت بنات القصبة تحافظن على اللّمة الليلية بعد الإفطار في شهر الصيام، كما ظل تقليد اللقاء قائما بعد صلاة العصر لاحتساء القهوة والشاي جماعيا وتشارك أخبارهن اليومية وحكايات القدامى وخبرتهم، أو التخطيط لتحضير المحافل والأعياد وإحياء ذكرى النضال.

أرشيفzoom

القصبة.. عالم البسطاء

مظاهر الود والتراحم تمد من عتيق الأنفاس حياة في عالم البسطاء، ينبعث معها أمل جديد مع كل خيط فجر صادق يغزله الدعاء وتسابيح الحمد والرجاء، بكل عزم وثقة على مدارج حجرية ثابتة فوق أرض يأبى فراقها السكان الذين يروون بفخر ما كان ومضى لشخصيات، حلت وارتحلت لكنها لم تُنْسَ بما تركته وراءها من أسرار تبوح بها الأسوار في كل مرة من غير تحفظ شوقا ووفاء، عزة وإباء لتقاسمها كل محبٍ هادٍ يتوق للتعرف على شواهد تاريخ القصبة العجيب بقصص وأمثال السابقين.

القصبة.. سوف تبقى هنا

مظاهر الود والتراحم تمد من عتيق الأنفاس حياة في عالم البسطاء، ينبعث معها أمل جديد مع كل خيط فجر صادق يغزله الدعاء وتسابيح الحمد والرجاء، بكل عزم وثقة على مدارج حجرية ثابتة فوق أرض يأبى فراقها السكان الذين يروون بفخر ما كان ومضى…

شارع الإخوة بودرياس، شارع أحمد لعريشي، وشارع بن عيسى ملايكة (شارع كاتون سابقا) وغيرها من الشوارع العتيقة، مهما اختلف التسميات تبقى المشاهدمتشابهة، حركة دائمة وعمل دؤوب لا يتوقف في حي القصبة، باعة جائلون هنا ودكانين تقليدية هناك، أطفال يلعبون، ومسنون يستعيدون ذكريات الزمن الجميل بين جدران انهارت ولم يعد لها وجود وأخرى مائلة مازالت تنتظر دروها لتُقَّوَّمَ مجددا بدعامة وثيقة، علها تحمي السكان من حر الصيف وبرد الشتاء.

لكنها لن تصمد أبدا أمام الأمطار الغزيرة التي تتحول لسيول جارفةتتسبب في انهيارات جزئية للجدران الحاملة، والأسقف، أمام تجاهل تام من قبل المسؤولين ليظل ملف القصبة حبيس أدراج الإدارات وضحية فساد مستشر نهبت باسمه المليارات وتستمر المأساة.

يبقى سكان القصبة يتضرعون بالدعاء ليجعل الله هذه الأمطار صيبا نافعا، وهم يعيشون كل لحظة بحيوية ونشاط، فلا البسمة تفارق الثغور، ولا الرضى يترك السمات، رغم الظروف الصعبة إلا أنهم يفخرون كونهم من أبناء هذا الحي العريق، النابض بالحياة والأمل، حيث يجددون عهدهم دوما، لا سيما عندما يشق آذان الفجر صمت المكان، ليعلن بدء يوم جديد يستل نوره من إصرار وعزم الناس على البقاء والعمل قدما في حضن حيهم التاريخي العظيم بكل ما شهده من أحداث ومر عليه من أفراح وأقراح، وتيمنا بأرض الصالحين التي ورثوها لحمل الأمانة وتحمل مسؤولية هذا الإرث النفيس الذي انهار منه الكثير لكنه يرفض الزوال.

شاهد | صور من القصبة أيام زمان

المصدر: موقع فليكر

1zoom

zoom

zoom

zoom

zoom

zoom

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.