زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

حين تصنعُ ”الباديسية” فينا الجمود..!

حين تصنعُ ”الباديسية” فينا الجمود..! ح.م

الفضيل الورثلاني - عبد الحميد بن باديس - البشير الإبراهيمي (رحمهم الله)

هـكذا يستمر الّلبس والتضليل، وتتواصل أسطوانةُ الاحتفاء ''النمطي''، بشخصية مفردة، لحد الملل والتسطيح، في مسعى تغييب وطمس سيرة وتراث أساطين فكر وعلم، يشكلون ''مرجعية أمة'' وضمير جمعي لها..

صحيح أنالاحتفال السنوي بذكرى رحيل العلامة عبد الحميد ابن باديس، يعبر عن تقدير ووفاء أمة، لأحد صناع مجدها ومحي هويتها، ومن هنا ليس بمقدورنا المزايدة بعلم وأخلاق ونضال ”الإمام” وسط ليل الاستعمار، الذي نشر مشاريعه في التغريب مبكرا، يكفي الرجل فخرا وقدرا، أنه جاهد بقلمه أيما جهاد، حارب أصحاب الشطحات الصوفية وأذناب الاستعمار العائدة، بعناوين ” المرجعية الوطنية ” هذه الأيام بطبولها ومزاميرها..على أبواب الرئاسة ووزارة الأوقاف، وأنشأ الصحف تباعا دفاعا عن العروبة والإسلام، ومضى يؤسس المدارس في كل قطر حتى بلغت نحو 400 مدرسة خلال ثلاثينات القرن الماضي، تلك المدارس التي كانت ”وقود وشعلة” ثورة نوفمبر، فمثل هذه الجهود والإسهامات، لن تقبل التشكيك أو الجدل، وليكن لأب ابن باديس حضوة ونفوذ لدى الإدارة الاستعمارية، وقد خرج آزر عن ملة ابنه إبراهيم عليه السلام… وليكتب بعدها ابن باديس مقالا يمجد فيه زعيم العلمانية التركية كمال أتاتورك، فلن يغير في مثل هذه المواقف الاستثناء، القاعدة الكلية التي يعرفها الخاص والعام.

في هذا اليوم الأغر، أين تولي وجهك، في المدارس، المراكز الثقافية، وفي الجامعة، يجري تخليد ذكرى وفاة ابن باديس، لحد ”الاغتيال ”و” التشبع” تعريفا، ودراسة، وبحثا، تقف في ساحات المدارس فلا تجد أنامل التلاميذ الذين علمتهم ”الجزائر المستقلة” حب الشخصية ”الزعاماتية ” لحد العبودية…

غير أنـه يلاحظ أن الاحتفاء بيوم 16 أفريل، طغت عليه ”الانتقائية القاتلة”، فابن باديس فرد من طبقات علماء وأصحاب فكر، ورجال ثقافة ملئوا دنيا الجزائر وشغلوها، وشكلوا بتراثهم وفكرهم والقيم التي حملوها، روافد ومنابع لا تنضب، وليس من العدل أو المنطق أن ينحصر ويضيق وسط دائرة من الأعلام، على شخصية واحدة والى الأبد، وليس من المعقول أن يقتصر التعريف برجل واحد، ضمن ذاكرة جماعية للأمة، آه ما أحسن أن يخصص يوم بعينه لتمجيد العلم، ولكن من التميز لو جرى تدوير وتحريك هذه الفاعلية المقدسة، لتقريب الأجيال وتعريفهم بسيرة وفكر، وثقافة شخصيات أخرى، لترسيخ ثقافة التعدد، وتلاقح الأفكار، والاطلاع على تجارب وجهود الآخرين في الأدب والثقافة وعلوم الدين، والرياضيات، واللغات، والعلوم والتكنولوجيا…
في هذا اليوم الأغر، أين تولي وجهك، في المدارس، المراكز الثقافية، وفي الجامعة، يجري تخليد ذكرى وفاة ابن باديس، لحد ”الاغتيال ”و” التشبع” تعريفا، ودراسة، وبحثا، تقف في ساحات المدارس فلا تجد أنامل التلاميذ الذين علمتهم ”الجزائر المستقلة” حب الشخصية ”الزعاماتية ” لحد العبودية…
هذه الأنامل البريئة لا تتحرك، إلا في حدود عمامة الشيخ، ولحيته تزويقا وتنميقا، تتطلع إلى المراكز الثقافية التي عشعش فيها الخمول وجمدت فيها العقول، فلا تعثر إلا على لوحات بالية من هذا التشكيل، وقد تضع خطاك في مدرجات الجامعة ”الجامحة ”لكل فن وإبداع حقيقي!! فلا تسمع إلا محاضرات، عن فكر وسيرة شيخ الجمعية، يتلوها على الحضور رجل ذاب في ”الباديسية” وذابت فيه… وضاق بهذه المنارات العلمية عفوا ”المغارات” أن تفرد في هذا اليوم، مساحات لرجال خارج دائرة جمعية العلماء، الذي يقول محمد الهادي الحسني أنها ”خير جمعية أخرجت للناس”!!… أليس هذا الفكر أحادي، وهذه الاحتفاليات فيها من الإسفاف وتجهيل العقول الكثير..؟ أليس هذا حصارا ضد الآخرين، وغمض لحقهم في المعرفة والإطراء؟ أم أننا جُبلنا منذ زمن ”الحركة الوطنية” ففجر الاستقلال، أن لا ننطق إلا بعظمة لسان ”الزعيم” ولا ننصت إلا من يحدثنا عن ”الشيخ الملهم” ولو فاض الآمر فأصبح بالاجترار والتنطع، غثاءً وعبثية ومضى إلا العدمية بالتمام !.

رجل في مقام الفضيل الورتلاني بالكاد يعرف ويذكر هنا في الجزائر، رغم أنه صال وجال في العالم كله من اليمن، والهند ولبنان واندونيسا وسانغفورة… من أجل القضية الجزائرية، كتب، وخطب، وأسس نوادي باريس، وبدور سياسي منقطع النظير…

الأمم المتحررة من عقلية الوصاية والأبوية، تفتح سجلات أعلامها، ورجالها دون تفضيل، كل في علمه وتخصصه، ومنهـجه، حتى توجهاته، لتستفيد الأجيال من كل زهرة ثمرة، بعيدا عن تكريس الفكر الواحد، والزعيم الأوحد، ونمط المدرسة الوحيدة، التي بها نحي وعليها نموت، لسلب ذاكرة الأمة، وجرف جيل كامل نحو زويا النسيان، كما يجري الأمر عندنا وفي العالم العربي..على عدة مستويات ووفق منظومة مغلقة، وكذالك عند الأمم التي تحكمها ”النخب المهزومة” التي تستثمر عادة بذكاء خبيث في أفكار وعلم، شخصية بعينها، في فترات معينة، لخدمة مشاريع سياسية ما، وبعدها فليذهب ”العلامة ” أو ”الداعية والمفتي الأكبر” إلى الجحيم..
لذا أجزم أن لو ابن باديس، كتب الله له أن يعيش فجر الاستقلال، وينكر سياسة الدولة ”الاشتراكية العلمية” لعلقت له المشانق يومها، ولقبر تاريخه اليوم على الأقل في الدوائر الرسمية، كما قُبر تاريخ كثير من أهل العلم والمعرفة، الذين صودر مورثهم عقب الاستقلال.. قالوا نعم لحرية وإبداع الفرد، العلمية والسياسية والفكرية بعيدا عن وصاية الأجهزة البيروقراطية، وحتمية دخول الجنة عبر بوابة ”الاشتراكية ” كما قيل…
إن العزف المنفرد على سنفونية ”ابن باديس” كل سنة، هو إجحاف في حق أعلام آخرين، صنعوا مج هذه الأمة قديما وحديثا، إن تدويرنا يوم 16 افريل ومنذ عقود لنفس الاسطوانة، هو تسطيح ممل، وتغييب للوعي، فرجل في مقام الفضيل الورتلاني بالكاد يعرف ويذكر هنا في الجزائر، رغم أنه صال وجال في العالم كله من اليمن، والهند ولبنان واندونيسا وسانغفورة… من أجل القضية الجزائرية، كتب، وخطب، وأسس نوادي باريس، وبدور سياسي منقطع النظير…
ألا يستحق مالك بن نبي الذي استلهمت دول نظرياته في الاقتصاد والسياسة، لبناء مؤسسات عصرية وقفة سنوية؟
أليس بمقدورنا أن نمنح وسام استحقاق للعالم الفيزيائي لوط بوناطيرو مكتشف الساعة الكونية التي نال بها جوائز براعة اختراع من بريطانيا؟
من واجبنا التذكير بشخصية الفنان الفرنسي التشكيلي المسلم نصر الدين ديني، حيث ترك لوحات رائعة.. أليس من حقه أن نقيم له مهرجان دولي سنوي باسمه هنا في بوابة الصحراء الجزائرية؟

أجل… عبد الحميد ابن باديس، هذا الرجل الكبير فينا، يستحق التكريم، وقد قارع بقلمه وعلمه بقايا الإمبراطورية الفرنسية المنهارة في الجزائر، بل حارب جنرالاتها فيما بعد من قبره… ولكن ليس على حساب طمس أعمال الآخرين،

ألا يمكن تخصيص يوم 16 أفريل لأول مترجم للقرآن الكريم إلى الأمازيغية حاج محند محمد لفتتة تكريم يوم؟
الأسماء الواجب الاحتفاء بها أكثر من أن تعد أو تحصى، وفي عصرنا الحالي إسهامات واكتشافات لكثير من الباحثين والأطباء في مجالات واسعة ومتعددة، كان يفترض أن تقدم سيرتهم في يوم العلم، ويُحتفى بهم وتُثمن أعمالهم، ولكنه التهميش وترسيخ نمط واحد في الأذهان والعقول، سيتطلب الأمر ربما مئة عام حتى يُعرف كثير من هؤلاء، مادام ”الجهلة ”يتحكمون في عصب الثقافة، فمن سار في طريقهم، وأكل من زردتهم وريعهم، أحبوه ودبجوا المقالات بشأنه، ومن رفض تسخير بحوثه، وعلمه لخدم أهدافهم، ومهتراتهم السياسوية قبروه، وهمشوه، وأبعدوه عن الأضواء.
المؤسف أن كثير من أبنائنا وتلامذتنا، لا يكاد يعرف سيرة صحابي جليل واحد… يحدثنا هذه الأيام أنصار الباديسية، إلى حد الملل والثمالة عن “الشيخ الملهم”، فنقول مرحى ولكن مالكم لا تحدثوا الأجيال، على الأقل كل سنة في مثل هذا اليوم، عن سيرة آلاف الصحابة والتابعين وأبطال الإسلام، الذين قادوا الفتوحات شرقا وغربا، أثكلت أقلامكم عن كتابة شيء جديد وبأسلوب جديد عن الذين عاشوا ”رجال حول الرسول”..
أجل… عبد الحميد ابن باديس، هذا الرجل الكبير فينا، يستحق التكريم، وقد قارع بقلمه وعلمه بقايا الإمبراطورية الفرنسية المنهارة في الجزائر، بل حارب جنرالاتها فيما بعد من قبره… ولكن ليس على حساب طمس أعمال الآخرين، آه لو نهض الإمام من قبره، لأخذ على أنصاره ”هالة القداسة ”التي أحاطوه بها دون الآخرين، وكادوا أن يجعلوا منه ”شيخ طريقة” وما هو كذالك إنه ظلم كبير…

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.