زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

حينما ينفصل الصخب السياسي عن مشروعية الصندوق

حينما ينفصل الصخب السياسي عن مشروعية الصندوق ح.م

ما تشهده الساحة الجزائرية
بعد تشريعيات 2026
هو تنفيس سياسي متأخر
دون شك، ولكنه صراع محكوم بنفوذ سياسي غامض، دون
أن يستند إلى قواعد شعبية صلبة أو تفويض انتخابي عريض..؟!

عناوين فرعية

  • ديمقراطية الصوت العالي ولعبة النفوذ..

ما إن انتهت الانتخابات التشريعية للثاني من جويلية 2026 في الجزائر، والتي توصف بأنها كانت باردة سياسيا، ولم تجلب لنفسها الزخم السياسي المطلوب، حتى تفجر صراع سياسي محموم على مستوى الساحة السياسية والإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، بشكل يدعوا إلى التساؤل، أين كان كل هذا الصراع والجدل؟ ولماذا لم يشكل مجالا للحملة الانتخابية ومحرك لها؟

@ طالع للكاتب: الإسلاميون والانتخابات: صدمة الأرقام وترف التحاليل..!

بحيث يدفع الاستقطاب الحاصل نحو مشاركة أوسع في العملية الانتخابية، وتقدير أوضح للأوزان السياسية، فينعكس كل ذلك على مستوى اعتماد السياسات العامة على قوة شرعية السياسية عالية؟ وينتهي الجدال والصراع ويتاح المجال أمام الحكومة وصناع القرار، لتنفيذ تلك السياسات وما تتضمنه من رؤى وبرامج.

يتحرك الجميع بهذا الخصوص، دون استثناء من أوزان سياسية مختلة، ما دام أن نسبة المشاركة الانتخابية، لم يتجاوز سقفها 21 %، ولكن في المقابل نجد أن الصخب السياسي المثار في هذا الإطار يتجاوز حدود نسبة التمثيل السياسي أو الوزن الانتخابي، لعل هذا ما يؤشر على أزمة سياسية وهيكلية تحكم الحياة السياسية في بلادنا تتعلق بأزمة الانفصال بين العملية السياسية (الانتخابية) والديناميكية السياسية الحقيقية. فالأوزان السياسية مهما كان حجمها الانتخابي، ليست هي من يحدد حجم الفاعلية السياسية والحركة السياسية بشكل عام.

بهذا الشكل تصبح الصراعات القائمة في الساحة السياسية، لا تعبر عن حقيقة القوى السياسية المتصارعة، بقدر ماهي تجلي مباشر لصراعات نفوذ سياسي، يكون من آثاره غير المباشرة كل ذلك الصخب والجبلة السياسية، التي نشهدها في يوميات ما بعد انتخابات الثاني من جويلية.

اتساع الفجوة بين مخرجات العملية السياسية والتمثيل السياسي أو الانتخابي، بما يؤول إلى عجز مستدام عن بناء شرعية سياسية قوية، فالأوزان الانتخابية الرسمية لا تعكس بالضرورة، الأوزان الحقيقية في الشارع…

ومن هذا الباب يمكننا أن نفهم لماذا تحولت الانتخابات إلى مجرد إجراء تنظيمي ولم تعد ساحة تنافس حقيقية؟ ولماذا لم تعكس الانتخابات استقطابا سياسيا واضحا كما هو حاصل الآن وبعد أن انفضت؟

لماذا فشلت الانتخابات في حشد الكتلة الصامتة وتركتها مستباحة أمام الاستثمار السياسي غير معلوم الهوية؟

ولماذا لم تشكل الانتخابات معركة سياسية حقيقية حول رؤى وبدائل تنموية وكانت مجرد سباق مسافات سريع للوصول إلى موقع المسؤولية التشريعية؟

وإذا كان ذلك قد تم فلماذا يتجاوز الصراع السياسي حدوده المؤسساتية المفترضة ويتمدد لكي يستحوذ على كل المجال السياسي العام؟

قد لا تكون الإجابة المباشرة لكل تلك التساؤلات متوفرة بالشكل المطلوب، ولكن وكما يقال فإن طرح السؤال نصف الإجابة، ولعله هو الإجابة، بإثارة مثل هذه الشكوك وهذه التساؤلات..

وكما يقول الغزالي أبو حامد فإنه إذا لم تشك لم تسأل، وإذا لم تسأل لم تبحث، وإذا لم تبحث لم تفهم، وإذا لم تفهم بقيت في الظلام والفوضى، ثم أن التحليل السياسي ليس من شأنه أن يجيب دائما، بقدر ما تكون مسؤوليته كشف مواطن الخلل، وتسليط الضوء على مواطن الخطر التي تحكم حياتنا السياسية البائسة وتحول دون وصولها إلى الفاعلية السياسية المطلوبة.

لعل من التداعيات التي لا ينظر لها وسط هذا الصخب القائم، هو اتساع الفجوة بين مخرجات العملية السياسية والتمثيل السياسي أو الانتخابي، بما يؤول إلى عجز مستدام عن بناء شرعية سياسية قوية، فالأوزان الانتخابية الرسمية لا تعكس بالضرورة، الأوزان الحقيقية في الشارع..

@ مقال سابق للكاتب: هل تعيد الصورة هندسة الهوية السياسية للأحزاب؟

وبالتالي فإن القوى السياسيةالتي عجزت في عملية التعبئة السياسية العامة والتجنيد الانتخابي لقواعدها، هي التي تثير هذا الصخب السياسي العالي، ولعل من تداعيات هذه التداعيات هي الأخرى، إضعاف مخرجات السياسات العامة، التي تبقى بحاجة إلى شرعية تمثيلية حقيقية، بدلا من شرعية الصخب وديمقراطية الصوت العالي.

قد يؤشر انتقال النقاش السياسي إلى الفضاء العام ومواقع التواصل السياسي والإعلامي والاجتماعي، على نضج العملية السياسية بشكل ما، ولكن ذلك يبقى رهين بمستوى الفاعلية المؤسساتية الحاضنة لهذا النقاش، وكلما عجزت المؤسسات في احتضان الصراع السياسي كلما فتح المجال أمام النفوذ السياسي، كي يؤطر القوى السياسية، فتكون القوى الهامشية والتي وزنها الانتخابي هامشي أو محدود، ذات أثر على مستوى هذا النفوذ، لكن ذلك لا يمكن أن يخفي الخطر الذي يخلفه تأطير النقاش بالنفوذ بدلا من المؤسساتية..

فانتقال النقاش من البرلمان (المؤسسة) إلى الفضاء العام العشوائي على مستوى صفحات التواصل الاجتماعي مثلا، ينقلنا إلى فضاء الشعبوية، حيث تفتقد شرعية التمثيل وزنها، ويفتح المجال للصوت العالي، وهكذا فكلما كان حجم التمثيل ضعيفا كان صخب الصوت عاليا، وأدى إلى استدامة التشكيك في شرعية التمثيل.

انتقال النقاش من البرلمان (المؤسسة) إلى الفضاء العام العشوائي على مستوى صفحات التواصل الاجتماعي مثلا، ينقلنا إلى فضاء الشعبوية، حيث تفتقد شرعية التمثيل وزنها، ويفتح المجال للصوت العالي، وهكذا فكلما كان حجم التمثيل ضعيفا كان صخب الصوت عاليا، وأدى إلى استدامة التشكيك في شرعية التمثيل.

ربما تحمل المقاربة في تقدير ذلك الخلل الهيكلي في العملية السياسية، وجها آخر يرتبط بمستوى حجم التمثيل الانتخابي كما بينته نتائج الانتخابات، وحجم الصخب القائم اليوم..

ولعلنا حينما نتابع توزيع حجم ذلك الصخب في ضوء الوزن البرلماني لمختلف الأحزاب والقوى السياسية، يمكننا الكشف عن معطيات أخرى، تثري التحليل ومن ذلك أننا نجد مثلا أن حجم الصخب والجدل لدى أحزاب الموالاة التي استحوذت على أكثر من 221 مقعد في البرلمان وبنسبة تقدر بـ 54.3%، محدود ومنخفض جدا في الغالب، بينما نجده في ساحة التيار الإسلامي الذي حاز أكثر من 88 مقعد وبنسبة تتجاوز 21.6 % مرتفع نسبيا، أما بالنسبة لحزب العمال الذي حاز على ثلاثة مقاعد فقط وبنسبة 0.73%، فإن حجم الصخب مرتفع جدا.

@ مقال سابق للكاتب: بين هندسة الانفتاح وحدود التغيير في المشهد الانتخابي

وفي ضوء هذه النتائج وهذه التقديرات لمستوى الصخب السياسي مقارنة بالوزن البرلماني، قد تؤول التفسيرات، فتكون ذات مدلول سياسي، يتجاوز حقيقة الأرقام، ولكن لعبة النفوذ تبقى هي الفيصل والضابط في نهاية المطاف، فلعل خفوت صوت الموالاة لا يفسره إلا أنه أكثر القوى استفادة من هذه اللعبة المحمومة، فهو مطمئن إلى وزنه البرلماني ولكن نفوذه يبقى قائما، بينما قد يغطي ارتفاع الصوت لدى الإسلاميين لعبة صراع على الزعامة، لكنه لا يمكن أن يغطي على لعبة النفوذ والتموقع القائمة بين أجنحته وفصائله، ولعل أفصح ما يعبر عنه ارتفاع الصوت، أن يكون حجم الصخب تغطية للعجز العددي بالتصعيد الإعلامي كما هو لدى حزب العمال، لكنه يبقى محل ريب وشك في أن يكون الصخب العالي دليل نفوذ عالي.

بالنسبة لحزب العمال الذي حاز على ثلاثة مقاعد فقط وبنسبة 0.73%، فإن حجم الصخب مرتفع جدا.

إن ما تشهده الساحة الجزائرية بعد تشريعيات 2026 هو تنفيس سياسي متأخر دون شك، ولكنه صراع محكوم بنفوذ سياسي غامض، دون أن يستند إلى قواعد شعبية صلبة أو تفويض انتخابي عريض، فبدلاً من أن تُنهي الانتخاباتُ السجالَ وتمنح السلطة التنفيذية “تفويضاً حاسماً” لتطبيق رؤيتها، أصبحت مدخلا لموجة جديدة من الاستقطاب غير المؤطر مؤسساتيا، لتتجلى بذلك ديمقراطية الصوت العالي متحللة من الحقائق التي يفرزها الصندوق، ويصبح الصخب السياسي وسيلة القوى الضعيفة أو المتراجعة سياسيا لتعويض الفراغ المؤسسي وفرض الشروط في الفضاء العام، وتبقى القضية تعكس لعبة أخرى لنفوذ سياسي يأسر الحياة السياسية، ويحول دون تمددها في الفضاء الاجتماعي المتنوع والممتد.

✍️ بقلم: أ‌. سالمي العيفة
كلية العلوم السياسية – جامعة الجزائر 3

zoom

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

2 تعليقات

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

  • تعليق 11811

    باديس سعيد

    بارك الله فيك على تنويرنا.

    • 0
  • تعليق 11812

    قاسم حُجاج

    مهم مقاربة الواقع السياسي أو الديناميكية السياسية الوطنية بعد الانتخابات التشريعية من زاوية علم السياسية وعلم الاجتماع السياسي ولكن لو أضيف لهما مقاربته من زاوية الاقتصاد السياسي والأمننة لأمن الإمساك أكثر بمتغيرات مؤثرة في عمق تلك الديناميكية. شكرا أستاذ العيفة على مواكبة التغيرات بتحليلاتك العلمية النوعية بعيدا عن الصخب الكلامي الذي يخرج العقل الرصين من الحلبة مباشرة. تقديري دائما.

    • 0

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.