نظريا تبدو جمهورية إيران لا تختلف في أغلب الصفات والملامح عن أي جمهورية أو مملكة أو "جملوكية" عربية، غير أنها في الواقع تختلف كل الاختلاف فهي تتحدى الغرب أو تحالفه. و ليس مهما ذلك، المهم أنه لا يجرأ على البطش بها أو إذلال حكامها أو إعدامهم. يحاصرها الغرب ويلعنها في السر والعلن، لكنه لا تسول له نفسه أن يحلق طيرانه في أجوائها أوتدوس أقدام جنده ترابها، ولا تمتد أنابيب شركاته إلى قطرة واحدة من نفطها. إيران تفاوض الغرب بندية ولا تقبل الدنية، والسبب في ما هي عليه هو نفسه سبب اختلافها عن دول "قمع ستان" العربية. وهو أن هذه الدولة تتميز عن العرب في كونها دولة متماهية مع قضاياها ولها معارضة تعمل في إطار من الضوابط الوطنية. ببساطة شديدة سلطة ومعارضة إيران كلاهما يحرمان أشد الحرمة العمالة للآخر لتحقيق أهداف شخصية ضيقة، وهذا هو وجه الاختلاف الوحيد بينها وبين العرب.
مصيبة العرب أن كلا من السلطة والمعارضة يتنافسان منافسة قذرة في العمالة للغرب وتستقوي به كل منهما على الأخرى. ما يجعل أمريكا وفرنسا وبريطانيا في موافق مريحة أمام خيارات أريح، إذ لا يهمها لمن تدول الدولة ولمن تكون الغلبة مادامت مصالحها مكفولة أيا كان المتسلط وأيا كان من يعارضه. لذلك عملت على عرقلة الثورات العربية ووقف امتدادها لبلاد أخرى، لأن رياح الثورة ليست تكنولوجية بل طبيعية. والغرب الذي تفوق تفوقا خرافيا في التكنولوجيا لم ولن يقدر على التحكم في الطبيعة، فأمريكا يمكنها التعامل مع أعاصير مثل “كاترينا” و”النينيو” و”النينيا” ولكنها ليس بمقدورها – مع ما أوتيت من بسطة في العلم والتكنولوجيا- أن تمنع حدوثها. وكذلك الثورات العربية فهي التي تأتي جارفة تقتلع أنظمة فاسدة عميلة مستبدة وتحرم بسرعتها وعنفوانها وشعبيتها واشنطن من اختيار البديل للحفاظ على مصالحها.
صحيح أن أمريكا تقف على نفس المسافة من السلطة والمعارضة في أي دولة عربية، ولكن ذلك لا يكون إلا في دولة ديكتاتورية كلاسيكية. أما بالنسبة لدولة ربيعية كمصر مثلا فهي (أمريكا) لن تتوانى البتة في الوقوف مع المعارضة ودعمها وحملها للانقلاب على الشرعية دون خجل أو وجل.
إن روح الثورة الشعبية المأمولة هي أن تكون بعيدة كل البعد عن أي استقطاب خارجي بالأساس وأن يكون هدفها الرئيسي ليس إسقاط الأنظمة الحاكمة فقط، إنما أن يكون لها الموفق نفسه من المعارضة. ذلك أن المعارضة في البلاد العربية ليست معارضة للنظام بل هي “معارضة النظام” التي صنعها في مخابره وأنضجها على عينه. وحقل نشاطها ليس أكثر من مجال محدد مضبوط محصور في منافسة النظام في خدمة القوى الكبرى، وعلى رأسها باريس وواشنطن اللتان قسمتا الأمة العربية إلى مناطق نفوذ كل منهما تستحوذ على دول عربية معينة، لا بوضع اليد بل بوضع العملاء سواء كانوا “متسلطين” أو “معارضين”. بمعنى أبسط مما ذكر نقول أن كل دولة عربية يحكمها نظام عميل فاسد مستبد وتقابله معارضة “طابور خامس خامج”. يحكمها الأول بالوكالة من الغرب ويعارضه الثاني بمباركة من الغرب نفسه. وهذا ما حصنت جمهورية “الملالي” نفسها منه، وهو أيضا الهدف الذي تنشده الشعوب العربية من ثوراتها لأنها شعوب مستعدة لمسامحة من يفشل في التخطيط لإنجاح ثورتها، ولا مبرر لديها لمن يخطط لإفشال ثورة ضحت بأبنائها لأجلها. فالفرق بين محمد مرسي ومحمد حسني ليس لحية الأول و “باروكة” الثاني ولا هو خمار زوجة الأول و”تنورة” زوجة الثاني، بل إن الفرق هو بين خيانة واستبداد “حسني باراك” وعمالته لأمريكا، ووطنية شرعية محمد مرسي و عمالته للمصريين. فالأول كان “متحكما في المصريين” نيابة عن واشنطن و الثاني كان حاكما للمصريين باختيارهم.
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.