مع بداية شهر رمضان الماضي عزمت على الإقلاع عن بعض المعاصي.. أقصد طبعا قراءة الجرائد ومشاهدة التلفزيون الوطني وخصوصا الاهتمام المرَضي بشكل الحكومة المقبلة.
ولأن التوبة “صعيبة” فقد رجعت لعاداتي السيئة ومباشرة بعد الانتهاء من فعاليات عيد الفِطر فقد عدت لمزاولة ما كنت منغمسا فيه سابقا.
عدت لقراءة جرائدنا الوطنية ومحتوياتها الهامة، بل تورطت في قراءة بعض صفحات زملائنا الأعزاء الفيسبوكية، وكانت النتيجة مذهلة جدا.
لقد وجدت كبرى صحفنا قد اتفقت على مقال رائع يتحدث عن خوف إسرائيل من الجزائر ورئيسها! وفوق هذا استدلوا بمقال لكاتب إسرائيلي يخوّف فيه بني جلدته من هذا الخصم الجاثم على قلوبهم. وطبعا كانت التعليقات بالمئات وكلها “انتفاخ كاذب” وغرور لا مبرر له. فقد اضطر الكاتب عاموس هرئيل نفسه ليقول للجزائريين في صحيفة هآرتس ما ترجمته بتصرف هي التالي “المشكلة الوحيدة أنني لم اكتب أبدا أي شيء له علاقة ولو غير مباشرة بالتهديد الجزائري لإسرائيل.. إنني أشك ان الجزائر البعيدة عنا بثلاثة آلاف كيلومتر تشكل ولو تهديدا صغيرا لإسرائيل!” (1) أي أنه لم يكتفِ بالنفي بل أهان البلد الذي لا يشكل في نظره ولو “تهديدا صغيرا”! وطبعا بعد مقاله هذا لم تصدر صحفنا الوطنية لتقدم اعتذارا لقرائها على هذا الكذب الممجوج بل واصلت عملها كأن شيئا لم يحصل، وكان مؤسفا حقا أن يصل كاتب كبير كالحبيب راشدين إلى درجة كتابة مقال عن هذه الخرافة التي لم تحدث.. فقط لأنه قرأ صحفنا وصدّقها مفترضا حسن نيّتها.
في مكان آخر انشغلت صحفنا بمعركة جانبية بين بلخادم ونزّار حول بعض التفاصيل التقنية لما حدث في 1991! والواقع ان هذا الانشغال وبعد حذف زوائده السياسية يحمل معطى مهينا لنا كشعب، فكيف يتخاصم الرجلان وفحوى خلافهما الجدي هو رئاسيات2014 بينما نحن كشعب غائبون ومغيّبون، فهل نحن قطيع من الغنم حتى يختصم الرعاة علينا؟ أليس لنا حق القرار وحق المحاسبة .. بل حتى حق تقرير المصير إسوة بالشعوب الخارجة من وضعية الاستعمار المباشر !
وفي الإعلام الجديد كانت الصورة أفظع، فقد قرأت خبرا منقولا عن مجهول يقول أن هنري كيسنجر قال في صحيفة أمريكية أن بلده مضطر لاحتلال ست دول عربية! وطبعا فإن أبسط سلوك مهني يفترض بالصحفي الذي ينقل خبرا كهذا أن يتأكد منه مباشرة عبر الصحيفة الأمريكية التي تم نسب الخبر لها لا أن يكتفي بنقله عن ناقل عن ناقل عن ناقل… الخ. لم يحدث هذا وانتشر الخبر في الفيسبوك دون أن يتمكن أي شخص من إثباته، ببساطة لأنه لم يحدث، فلا يوجد دبلوماسي عاقل أو نصف مجنون أو حتى مجنون يقول أن بلاده مضطرة لاحتلال دول أخرى! فهذا إعلان حرب رسمي وهذا أمر لا يملكه دبلوماسي متقاعد. فضلا عن أن يتفوه به رجل مثل كيسنجر ثعلب الدبلوماسية الأمريكية.
طبعا لم يكن كل شيء سيئا، فقد قرأت مقالا لعميد كتاب الأعمدة المعربين ، سعد بوعقبة، يقول فيه “بعض العالمين بخبايا (D.R.S) يقولون إن المصاعب التي تواجهها البلاد حاليا بغياب الحكومة، تقود أساسا إلى هيئة صناعة الرؤساء، والسياسة هذه لم توفق بعد إلى تحديد شكل وملامح الرئيس الذي سيخلف بوتفليقة في 2014 بعد أن قال صراحة بأنه ”طاب جنانو””. والواقع أن هذا المقال تحديدا لافت جدا، فلم نتعود في صحفنا المستقلة على هكذا صراحة في موضوع ما سماه بوعقبة ” هيئة صناعة الرؤساء”! (2)
وبجمع خيوط الأخبار والمقال يمكننا ان نرسم صورة وافية لبلد وضُح تماما أنه في أزمة خانقة، يفضّل جناح “التسيير السياسي” فيه أن يصرف الشعب عنها بافتعال عداوات خارجية، أو بتكبير شأن مباريات كروية تافهة ، أو افتعال مشاكل دبلوماسية، فيما يجد صحفي خبير كبوعقبة نفسه في وضع يضطر فيه لمصارحة الناس بأن الوضع لم يعد يحتمل وأن البلد يتجه للهاوية.
صحفي جزائري
Aboutalebcheboub2@gmail.com
1- نص المقال هو
2- نص المقال هو
http://www.elkhabar.com/ar/noukta/300435.html
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.
تعليق 4318
ياك ربي فتحها عليك في الجزيرة وش جابك لقراءة الأوهام في الظلام…..مازلنا مع انقطاع الكهرباءوالغازوالماءوو…..