لم تكن المشكلة في ما كتبته "نيويورك تايمز" حول جماجم المقاومين الجزائريين التي تسلمتها الجزائر في يوليو 2020.
المعضلة بالأساس أن يجد الإعلام الفرنسي، وإعلام الأشقاء وغيرهم، في مقال “نيويورك تايمز”، ما يفتح الشهية للحديث عما وصف بأنه “فضيحة” تلاعب فرنسي بالسلطات الجزائرية، لكون أن عدداً من الجماجم المستلمة لا تعود كلها إلى مقاومين، بل تضمنت أيضاً جماجم “لصوص وقطاع طرق ومجندين”.
ليكن، ولنفترض جدلاً أن بعض الجماجم، أو كلها تعود إلى لصوص وقطاع طرق، فهم كذلك بأي معنى؟ ومن الذي يحدد لهم هذه الصفة وتحت أي ظرف وسموا بذلك؟.
في لحظة ما، حدث استسلام لافت لحتى لنخب جزائرية كثيرة، ومن الأشقاء أيضاً، للمفاهيم والمصطلحات والتسميات، وللمنحى الذي اتخذته قصة الجماجم في الصحف. وحدث تماهٍ كبير بوعي أو من دون وعي مع التوصيف الذي يمنحه المتن الاستعماري لأصحاب الجماجم (لصوص)، وللقراءة التي صاغتها الصحافة الدولية عن قصة الجماجم المسترجعة.
بعض هذا التماهي كان مدفوعاً بمنطق التسرع، وبمنطق المعارضة والتشفي أحياناً، والبحث عن أي خطأ يحسب على السلطة الجزائرية، ويحاجج به عليها، مع أن السلطات الجزائرية أقرت في بيان تسلم الجماجم في 4 يوليو 2020 أن تسع جماجم جزائرية لم يتسن لاعتبارات كثيرة تحديد هويتها.
فات مجموع هذه النخب في الداخل والخارج، أن كل الجزائريين بمنظور سلطات الاستعمار الفرنسي، في ذلك الوقت المظلم، هم لصوص وقطاع طرق، وكل المتمردين على السلطات الاستعمارية، ولو خارج الإطار الثوري أو راية المقاومة، هم مخربون.
@ طالع أيضا: رفات وجماجم
وفاتهم أن كل المقاومين على امتداد تاريخ المقاومة والحركة الوطنية هم إرهابيون بالمنظور الاستعماري، وأن أصحاب الأرض والحق في أي موقف حدث إزاء الطغيان الاستعماري، وفي أية لحظة من لحظات الجهنم الفرنسي في الجزائر، هم بنظر المدونة الكولونيالية مخربون ولصوص ومجرمون وقطاع طرق، والأرشيف الفرنسي ما زال يشهد على هذا التوصيف الاحتلالي البغيض.
ومن الخطأ البالغ، وجريمة في حق التاريخ الوطني، الاستسلام للوسم والمنظور السياسي للمدرسة التاريخية الفرنسية، بأدبياتها وأدواتها وتطبيقاتها. الفضيحة الكبرى التي كان يفترض أن تكون الموضوع الرئيس في قصة الجماجم هو أن تبقى هذه الجماجم في متحف لمدة قرن أو يزيد، في إهانة للكرامة الإنسانية، بينما تقر كل الأديان والشرائع والتشريعات والأعراف أن مكانها الطبيعي هو المدافن.
الفضيحة المستمرة أيضاً، هي بقاء عشرات الجماجم الجزائرية في نفس المتحف حتى الآن، تحت مسميات ودواعٍ مختلفة، بينما يفترض أن تكرّم بالدفن.
بل إن الأكثر قبحاً في هذا المشهد الأليم، الذي تجاهلته القصة الاعلامية وتبعاتها في أميركا وفرنسا وغيرها، هو أن هذه الجماجم البشرية مصنفة في القانون الفرنسي بأنها” تراث”، تماماً مثل لوحة الموناليزا.
يريد الاستعمار أن يكتب التاريخ برؤيته ومنظوره الذي يجد فيه تبريراً لكل جريمة ارتكبها في حق الجزائريين، تقتيلاً أو تجهيلاً، احتلالاً للأرض واستغلالاً للإنسان.. وأكانت الجماجم لمقاومين أم لغير ذلك ، فان المجرم واحد ووحيد ، هو الاستعمار ليس غيره.
@ طالع أيضا: جنازة عسكرية مهيبة لشهداء وأبطال المقاومة الشعبية
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.