زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

جزاء من جنس العمل.. البرنامج الانكشاري لتحطيم قارورات العطر

جزاء من جنس العمل.. البرنامج الانكشاري لتحطيم قارورات العطر

من منا لا يتذكر عبارات تعلمناها منذ الصغر، وقيل دائما أن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، عبارات تنتهي في مضمونها إلى إشاعة "الحشمة" والحياء عبر بوابة اللغة، وسيلة الاتصال بين البشر.. لغة عجيبة حمالة معان ومفاهيم وروائح وعطور.

ومع بداية عهد “الفايسبوك” وانتشار لغة “الفايسبوك” وعلى رواية القذافي “نبوس فيك” انتشار النار في الهشيم، مؤذنا بانتهاء العهد الدينصوري والزمن الجميل.. زمن السياق الجميل والإيحاء الأجمل والعبارات الرائعة.. تنتهي كلها عند جدول “الحشمة” والحياء وشيء من الخجل المدر للصفرة والحمرة على وجنتي الوجه البريء، أقول مع بداية هذا العهد الذي اختصر اللغة والمسافات، وأتاح للبوح ما لم يتح له من قبل، يبقى جيلنا يناضل ويكافح من أجل إحياء ما تبقى من حياء العبارات وخجل الكلمات، رغم ما تحمله اللغة “الفايسبوكية” من حياء وقيمة فنية عالية لا ينكرها أو يزايد عليها أحد..

وقبل الوصول إلى القارورة حري بنا الاسترسال والاستذكار والإحالة إلى بعض القيم المدرجة في عبارتنا الفصيحة والدارجة، ولن نزيد الأمور تفصيلا، والقوم يحيلون إلى “المس” و”اللمس”، و”الغائط” المصطلح المشتق من الأرض المنخفضة على شاكلة الأغواط.. فكلها مصطلحات لأفعال محجبة بلباس الحشمة، وهذا لا يعني أن اللغة “الفايسبوكية” فقدت عذرية حشمتها.. هذا مما لم يسمع به القوم قط، وأكبر دليل على ذلك “فليكسي” و”تليفون”، فالمصطلح الأول إيحاء محتشم وخجول على الشخص الذي يريد قضاء ما خف من حاجته –طبعا في المرحاض-، والمصطلح الثاني إيحاء على قضاء نفس الحاجة خفيفا إن كان “التليفون أو المكالمة” داخلية “لوكال” وغليظا أو ثقيلا إن كانت “المكالمة” خارجية أو “أنترناسيونال”.. فالحشمة باقية ولبوسها اللغوي متغير مع التغير التقني ومواكب للتطور الذي يعيشه المجتمع ولو في جانبه المظلم.

عود على بدء، إلى موضوعنا الرئيس، وفكرتنا المركزية، وهي أن الكثير منا يستذكر تلك اللحظات الجميلة التي لا زالت تحملها مخيلتنا الشعبية، ونحن نتحدث عمن خرج منه ريح -حاشاكم- طوعا أو كرها، بصوت أو بدونه، وبالرغم من وجود مصطلحات دلالية مكثفة قد تستدعي تدخلا أطلسيا على الطريقة الليبية، إلا أن المجتمع أنقذه بعبارة ذهبية سميت على بركة الله على وجه التساؤل “شكون كسّر قرعة ريحة يرحم باباكم؟”، بالعربي الفصيح “من حطم قارورة العطر؟” على سبيل إشعار من وقعت في وسطهم الفاجعة أن الرسالة وصلت، وأن حدثا جللا قد سجل، ولا حاجة لنا في معرفة الفاعل، لأن الغرض اللغوي والمجتمعي إدانة الفعل غير الطبيعي، والذي لا يكون طبيعيا إلا في مكانه الطبيعي، وقد يتسامح معه إذا كان كرها وغلبة، فالعبرة كل العبرة لأجل تكريس الاحترام والتقدير وقدسية الجماعة والمجتمع، وعدم تعكير الجو الطبيعي والسياسي والاقتصادي والثقافي… إلخ

وبعد مرور عقود من الزمن تحول هذا الفعل المخل بالحياء قديما إلى فعل حضاري لاسيما في الحقلين السياسي والثقافي، بلا “حشمة” ولا خجل، يعرض على شاشات التلفاز، وتفرد له الصفحات في الجرائد، وتنظم له المؤتمرات والندوات، وتستحدث له الشركات للتنقيب عنه في الفيافي والصحاري، وكلنا يعرف صاحب فعل “…” أي تحطيم قارورات العطر، لكن الكل يشيد به، ويهلل باسمه، ويحرق البخور عند كرسيه، رغم أن فعله هذا لا يتسبب في البعوض والذباب لأنه غذاء حيوي لهم، بل يتعداه إلى قطع الأعناق والأرزاق، وغلق الأنفاق وتهريب المال إلى الوجهة التي أعرفها وتعرفونها، فهذا حزب أصابته تصدعات وانشقاقات بفعل “… واحدة” أي تحطيم قارورة عطر واحدة، وذاك بسبب “… اثنتين”، وآخر بسبب “… ثلاث”، وهكذا دواليك حتى وصل الأمر إلى شركات النفط والغاز والكهرباء، والقمح والزيت والورود والخبز، يعطوننا “…” أي يحطمون قارورات العطر بالصوت واللون والرائحة، ونعطيهم خزائن أموالنا يتصرفون فيها كما يشاؤون تطبيقا لنظرية وادي الحراش “… –بمعنى حطم قارورة عطر- أكثر تستغني أكثر”، والآن فقط وبعد قرابة العقدين فهمت معنى قول أحدهم “للكعبة رب يحميها”، والجزاء سيكون حتما من جنس العمل.

 

 

صحفي جزائري

abderta_benali@yahoo.fr

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

4 تعليقات

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

  • تعليق 4901

    مفتاح

    أحسنت التشبيه والوصف ، فعل (…) أضحى على المباشر وعلى مستوى كبير ولم يعد ينفع معه شد الأنف وصاحب الفعل أضحى يتباهى ويتبختر ..ولله في خلقه شؤون

    لا تحرمنا من قلمك المسلول الذي اشتقنا له كثيرا ، تحياتي يا صديقي

    • 0
  • تعليق 4913

    عبد الرحمن طيبي

    أخي مفتاح.. سعيد بمرورك أكثر من سعادة السعيد وهو ينتظر أكل التركة وحده… هههههههه..اتمنى أن تكون بألف خير..

    • 0
  • تعليق 4909

    سمير فضل

    بوركت أستاذي و سلمت يمناك، شكرا على الرقي و الصدق رغم المحن و الإحن و ألم القلم ، اشتقنا إليك كثيرا فلا تحرمنا منك و من أخبارك و من مناوشاتك البريئة

    • 0
  • تعليق 4938

    عبد الرحمن طيبي

    أخي الفاضل فضل.. سعدت بروحك تجول في سماء حرفي.. وتلك والله مكرمة.. انحناءة من حرفي لحرفك.. وفقك الله وسدد خطا قلمك.. فلا تحرمنا أيضا من بوحه

    • 0

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.