زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

تعديل الدستور: “اللي لدغو حنش يخاف من الطارفة”

تعديل الدستور: “اللي لدغو حنش يخاف من الطارفة” ح.م

يقول المثل الشعبي: "اللي لدغو حنش يخاف من الطارفة/الحبيلة"، والمثل يفسّر شعور الخوف المكتسب لصاحب التجربة الملدوغ، فالخوف يصبح لديه سلوكاً ملازماً قد يقيه من لدغة مستقبلية مميتة، ويعزّزه مثل شعبي آخر يقول:"اللي خاف سلم"، وهو ما ينطبق على كثير/قليل من الجزائريين الذين سمعوا وسئموا ولدغوا من وعود الإصلاح في تجارب سابقة.

إنّ المدرسة الجزائرية القويّة تنبع من تاريخ الجزائر وانتمائها وهويتها، وهي لن تكون محايدة، بل على العكس من ذلك، وجب أن تكون مرآة عاكسة لتاريخ الشعب وقيمه ونضالاته التحرّرية.

وقياساً على القاعدة القانونية التي تقول أنّ الشكّ يفسّر لصالح المتّهم، فإنّ الشكّ يفسّر في مناسبة تعديل الدستور المقرّر ليوم الفاتح نوفمبر 2020 لصالح المتردّدين والرافضين، لأسباب عديدة منها غموض الصياغة في بعض الموادّ،ربّما قد توضّحه القوانين التي ستلي تعديل الدستور. وقد يطالب البعض تقديم تلك القوانين وعرضها للنقاش قبل إقرار التعديل الدستوري، ليتسنّى للشعب المستفتىاتّخاذ الموقف على بيّنة. لكن بالنسبة لأولئك المتردّدين والرافضين فإنّ فهم غموض الصياغة بعد الاستفتاء على التعديل لن يغني ولن يغيّر شيئاً، لذلك فهم من باب الحيطة وخوفا من لدغة أخرى يميلون للمقاطعة أو التصويت بلا، خاصّة إذا ما تمّ تذكيرهم بتجارب ووعود سابقة.

ومن بين الموادّ غامضة الصياغة المادّة 65 التي تنصّ في فقرتها الرابعة: “تسهر الدولة على ضمان حياد المؤسّسات التربوية وعلى الحفاظ على طابعها البيداغوجي والعلمي، قصد حمايتها من أيّ تأثير سياسي أو إيديولوجي”. أمّا الفقرة الخامسة من نفس المادّة فهي تنصّ: “تعدّ المدرسة القاعدة الأساسية للتربية على المواطنة”.

يخيّل للقارئ الذي لا يعرف عن الجزائر الكثير بأنّها بلد منقسم، يعيش يوميّات صراع سياسي واجتماعي بين مكوّناته المتنافرة والمتناحرة عرقياً ودينياً وطائفياً. وفق هذا التصوّر تصبح المدرسة المكان الملائم لجمع ما بقي من شتات المجتمع، وتشكيل الحدّ الأدنى من فضيلة التعايش السلمي بين الفرقاء. وتكون آنذاك قيم المواطنة والعلمانية والروح العلمية والإنتاجية هي القيم الفاصلة والحاكمة بين أطراف الصراع المستمرّ، وهو ما قد يكون مقبولاً وصحيحاً في حالات أخرى غير الحالة الجزائرية.

وعلى العكس من هذا الطرح “الحيادي” للمنظومة التربوية، تتحدّث الدول القويّة عن قيمها وهويّتها وواجب الدفاع عنها، بل وأدخلت القيم ضمن نظريتها الأمنية، فمجرّد تهديد قيمها يعتبر تهديداً أمنياً ضدّها وجب صدّه. والحرب العالمية على “الإرهاب” مؤسّسة على هذه الروح الفكرية والقيمية، فلا ينبغي فقط مواجهة “الإرهاب” بالقوّة المباشرة بل يتعدّى ذلك إلى المواجهة الفكرية والإعلامية. ولذلك فهي تقيم “حرباً استباقية ضدّ الإرهاب” في المجتمعات التي تملك قلوباً وعقولاً “خالية” من القيم مستعدّة لـ “استقبال واعتناق” قيم المنتصر، لتوسيع مجال تأثيرها فيما يعرف بالقوّة الليّنة Soft Power عبر الثقافة والأدب والإعلام وما تستهلكه من ميزانيات فوق ما يمكن تخيّله.

إنّ طلب الحياد في المادّة البيداغوجية والعلمية رهان خاسر ومستحيل التحقيق، لأنّ من يدرس التاريخ مثلاً وجب عليه أن يختار تسمية الظواهر بما يناسب قيمه وموقعه من التاريخ…

كما أنّ المادّة 65 توحي بالتوجّس من تأثير “سياسي أو إيديولوجي” يحيل إلى فترة صراع سياسي تحوّل إلى أزمة أمنية شهدته الجزائر في التسعينيات، فدور الدستور يكمن في التأسيس للمستقبل لا أن يستدعي صراعات الماضي ويستنسخها مرّة أخرى.

إنّ طلب الحياد في المادّة البيداغوجية والعلمية رهان خاسر ومستحيل التحقيق، لأنّ من يدرس التاريخ مثلاً وجب عليه أن يختار تسمية الظواهر بما يناسب قيمه وموقعه من التاريخ، فالاحتلال الروماني يسمّى توسّعاً جغرافياً وتمدّداً امبراطورياً، وقمع الشعوب (مجازر الثامن ماي 1945 مثالاً) يسمّى حفاظاً على الأمن العامّ، والثورة الشعبية (الثورة الجزائرية مثالاً) تسمّى تمرّداً وخروجاً عن القانون وإرهاباً، والتطبيع مع العدوّ يسمّى إقامة علاقات ديبلوماسية… إلخ

فأنت إن اخترت أحد هذه المصطلحات فلن تكون بحال محايداً، بل ستكتشف حينها موقفك وموقعك. وإن لم تتمكّن من ذلك، فقد تركت غيرك ليحدّد لك موقفك وموقعك وهذا أخطر ما في المسألة.

إنّ إساءة الاختيار في التسمية والمصطلح هي تهديد على المدى البعيد لأمن المجتمع، وكسر لخطّ الدفاع الأوّل فيه وهي شخصية الفرد والمجتمع، ما يجعلنا باستمرار ساحة صراع للقوى الكبرى ويرهن مصيرنا لتقلّبات ميزان القوى.

إنّ المدرسة الجزائرية القويّة تنبع من تاريخ الجزائر وانتمائها وهويتها، وهي لن تكون محايدة، بل على العكس من ذلك، وجب أن تكون مرآة عاكسة لتاريخ الشعب وقيمه ونضالاته التحرّرية. وكما جاء في بيان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في بيانها المؤرّخ في الثالث أكتوبر 2020 أنّ “الأصل في الدساتير أن تكتب بلغة واضحة المعاني لا تحتمل التأويل، وأن تكون صمّام أمانٍ وقوّة، ووثيقة تحقّق الانسجام والتماسك، وتبعد المجتمع والوطن عن كلّ أشكال الانقسام والفتن والتمزيق”.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

1 تعليق

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

  • تعليق 7427

    BAMOUR

    إن كان الإسلام هو دين الدولة … فالواجب أن تكون القيم التي تدرس هي قيم إسلامية … و إن كان خوفكم على أبناءنا مصدر تشاؤمكم من هذا الدس ( من الستر ) …. تور ( من الدور ) فإن الذين حموا الجزائر من الذهاب نحو الأنتقالي السوداني ، بشهادة الجميع هم أنفسهم من وقفوا على تنقيح هذا الدستور …
    الجمعية لو أخذ بمقترحاتها لثمنت ما جاء فيه … و لأنها تريد دستور ا مصدره التشريع الإلاهي القرآني فهذا لن يكون إلا إن كان لنا قوة ردع كافية ( كوريا الشمالية كمثال ) …
    لهذا قال لعرابة هذا دستور مواطنين لا مؤمنين … كاش مومنين عندكم …

    و لأنها جزائرنا …. فلست وحدك حبيبها …

    • 0

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.