عناوين فرعية
-
قراءة سياسية استباقية في دلالات البيان 25 الصادر عن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات
-
"الانتخابات التشريعية في الجزائر: بين منطق 'الضبط المؤسساتي' ومأزق التجديد السياسي"
يشكل البيان رقم 25 الصادر عن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، عنوانا كاشفا عن مدى نضج الطبقة السياسية في الجزائر اتجاه الاستعداد لخوض غمار انتخابات الثاني من جويلية 2026..
وبذلك لا يمكن اعتبار البيان مجرد فرز حسابي تقني، بل أداة ضبط سياسي ترسم ملامح الخارطة السياسية القادمة، وهو بهذا المنطق يشكل في جوهره العميق رسما بيانيا يعكس التوازنات السياسية التي يمكن أن تفرزها الساحة السياسية في محطتها الانتخابية القادمة، بما يؤكدأهمية القراءة السياسية لهذا البيان، بدلا من التوقف عند حدود الأرقام ودلالتها المباشرة.
وبهذا الصدد فإن إعلان نتائج الترشح لانتخابات الثاني من جويلية، يعد محطة استباقية في مسار سير العملية السياسية في الجزائر، لا تقل أهميتها السياسية عن مرحلة النتائج النهائية، التي ستفرزها العملية الانتخابية ذاتها.
أهم الدلالات التي تعكسها هذه القراءة العرضية الأولية لنتائج عملية الترشح التي قدمها البيان 25، هو أهمية الدور الذي صارت تمثله السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وفي انتظار استكمال عملية الطعن على نتائجها، فإنها أصبحت محددا أساسيا لضبط إيقاع عملية الترشح.
إذ أن هذا البيان يقدم صورة بيانية شديدة الوضوح، عن طبيعة المترشحين لهذه الانتخابات، وتوجهاتهم وانتماءاتهم، وخريطة توزيعهم الجغرافي والسياسي، وبيان أيضاالقدرات المبدئية للطبقة السياسية، لخوض غمار هذهالانتخابات، والبيان بذلك لا يعكس معطيات تقنية مجردة، بقدر ما يقدم دلالات سياسية كاشفة.
منذ الوهلة الأولى، يبدو أن البيان يقدم أيضا صورة أولية كاشفة عن المجال السياسي في الجزائر والحدود التي يرسمها أو يفتحها أمام التنافس السياسي بشكل عام، خاصة وأن الذاكرة السياسية تستفز القارئ بشكل ملح لاستدعاء التحولات التي عرفتها الحالة الجزائرية بدايةمن الحراك السياسي المبارك..
وهنا يبدو السؤال الأكثر إلحاحا، هو مدى مساهمة هذه المحطة في إعادة تشكيل الخارطة السياسية القادمة، أم أن الأمر لا يعدو أن يتجاوز هندسة عميقة للفعل الانتخابي، الذي يفرز مشهدا سياسيا أكثر انحيازا للتثبيت والضبط، منه إلى إعادة تشكيل جزئي أو كلي للعلاقة بين النظام السياسي والانتخابات والأحزاب السياسية والناخبين والعملية السياسية ككل، بحيث نكون أمام صورة أقرب إلى الانفتاح والتحول.
بحسب البيان 25 فإن العملية السياسية الجزائرية، قدمت إلى ساحة التنافس الانتخابي 854 قائمة، بمجموع 10696 مترشحاً، ظهر فيها بوضوح هيمنة النزعة الحزبية التقليدية على توجهات الترشح، إذ استحوذ 32 حزبا على 649 قائمة للترشح داخل الوطن و59 خارج الوطن، بينما لم تحض القوائم الحرة إلا 138 قائمة داخل الوطن و6 خارجه..
ولم تخالف الحالة الحزبية تقاليدها، في عدم تجاوز أطرها الحزبية والعمل بمنطق التكتل والتحالف، إذ لم تقدم حسب البيان إلا ملفين إثنين تحت رعاية أكثر من حزب سياسي في صيغة تحالف حزبي، أحدهما داخل الوطن(تحالف حزب الفجر الجديد وجبهة الجزائر الجديدة) وآخر خار الوطن(تحالف البيان والكرامة).
ومن المعطيات المهمة التي يكشفها البيان ما يتعلق بالقدرات الحزبية التنظيمية لمواكبة الانتخابات القادمة داخل الوطن، فقد تمكنت بعض الأحزاب من تغطية وطنيةواسعة لمساحة الترشح، وفي مقدمتها أحزاب التيار الوطني كجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي بـ 69 قائمة لكل منهما داخل الوطن، تليهما جبهة المستقبل بـ68 قائمة، وحزب صوت الشعب بـ 54 قائمة، بينما تقدمت حركة البناء الوطني التيار الإسلامي بـ67، لتليها حركة مجتمع السلم بـ64..
في حين تراجعت أحزاب إسلامية تقليدية تراجعا واضحا في فرض نفسها في خارطة الترشح كجبهة العدالة والتنمية الذي اكتفى ب13 قائمة، وحركة النهضة التي لم تتمكن من الترشح إلا ب10 قوائم داخل الوطن وواحدة خارجه..
أما أحزاب التيار الديمقراطي فعلى ما يبدو أن رياح الترشح لم تكن في صالحها عبر هذه المحطة، فلم يتمكن من الترشح مثلا حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية إلا من 8 قوائم عبر الوطن و2 خارجه، كما أن حزب التحالف الوطني الجمهوري أكتفى بسبع قوائم..
في حين أن أحزاب التيار الاشتراكي التقليدية كان ترشحها إلى ما دون المعدل النسبي، فحزب العمال لم يقدم إلا 29 قائمة، بينما جبهة القوى الاشتراكية التي توصف بأنها الأكثر عراقة في النضال الحزبي الجزائري اكتفت ب 22 قائمة داخل الوطن و5 خارجه.
وبصورة عامة فإن هذه العملية كشفت أيضاء عن فسيفساء باهتة لخارطة حزبية يصعب تصنيفها، لم تتمكن من الترشح إلا في حدود ضيقة، كتقديم قائمة أو اثنتين أو ما دون ذلك أو أكثر، بشكل لا يمكن أن يعزز حضورها السياسي في المستقبل ولا تأثيرها في المشهد الحزبي القائم.
لعل أهم الدلالات التي تعكسها هذه القراءة العرضية الأولية لنتائج عملية الترشح التي قدمها البيان 25، هو أهمية الدور الذي صارت تمثله السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وفي انتظار استكمال عملية الطعن على نتائجها، فإنها أصبحت محددا أساسيا لضبط إيقاع عملية الترشح.
وقد سمحت العملية من تأكيد تجاوز الصندوق الأسود لوزارة الداخلية في فترة ما قبل الحراك السياسي المبارك، إلى سلطة الأرقام التي عبر بلغتها البيان، خلال هذه المرحلة من الانتخابات التشريعية الثانية لما بعد الحراك، والتي صارت عنوانا لمرحلة جديدة، قد يضفي ترسيخها إلى ممارسات جادة لمأسسة الشفافية، والقطيعة مع ممارسات الماضي، بما يعزز الثقة في العملية الانتخابية والسياسية بشكل عام، مع إحكام مدخل المنافسة السياسية والانتخابية بشروط قانونية وإدارية دقيقة.
بهذا الشكل من المنافسة المتحكم فيها، لا يمكن توقع انحيازا ولو طفيفا للأحزاب التقليدية المهيمنة على المشهد السياسي في فترة ما قبل الحراك وما بعده، ممثلة في حزبي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، فالصورة الواضحة التي تقدمها نتائج عملية الترشح تؤكد ذلك.
ومن أهم المفارقات التي تشير إليها هذه الأرقام، تأكد قوة الماكينة الحزبية كسبيل طبيعي للولوج للساحة السياسية، ضمن محدداتها الواقعية، وفي انتظار أن تكون هذه الماكينة محركا فعليا في اتجاه محاربة ظاهرة العزوف الانتخابي التي شوهت العملية السياسية، وتجاوز منطق التفرد وغياب ثقافة العمل البيني، من خلال ضعف ثقافة التحالفات، فإن البيان 25 يؤكد بما لا مجال للشك أن الأحزاب السياسية التقليدية في الجزائر، لا تزال تحظى بأهمية كبيرة في تأطير الفعل السياسي، على الرغم من التوجهات العامة التي أفرزها الحراك السياسي المبارك، في مطالبتهبرحيل أحزاب الموالاة السابقة، وبما يؤكد على عجزه عن تجديد الطبقة السياسية أو إفراز نخبة سياسية مهيكلة بملامح حزبية وسياسية واضحة.
الملاحظة السابقة لها اعتبارها في رصد توجهات طبيعة الانخراط في العملية السياسة، فقد عادت هذه التوجهات لتتمركز من جديد حول الأحزاب السياسية، ولم تتمكن القوائم الحرة إلا من تقديم 138 قائمة، مقارنة بانتخابات 2021 التي قدمت 1244 قائمة..
وهذا مؤشر ذو دلالة سياسية واضحة، فقد حملت مرحلة ما بعد الحراك، توجها سياسيا طاغيا، يقدم القوائم الحرة والمستقلين باعتبارهم أهم صور تأطير الحراك السياسي القائم، حيث تحملت الهيكلة الحزبية القائمة آنذاك، عبء المرحلة السابقة.
غير أن أرقام البيان 20 اليوم تكشف أن ذلك الزخم السياسي في طريقه للتراجع، وإذا لم يتمكن مترشحي القوائم الحرة من فرض أنفسهم في قلب الخارطة السياسية القادمة، فإن ذلك يشي بأن معطيات العملية السياسية قد قلبت المشهد من الحضور الطاغي في 2021 إلى الحضور الرمزي في 2026، بما يؤكد أنها مجرد ظاهرة عابرة تغذت على معطيات ظرفية وعجزت أن تستفيد من تحولات المشهد لصالحها، فلم تتهيكل سياسيا واكتفت في محطة الترشح هذهبالحضور الهامشي النسبي مقارنة بالأحزاب السياسية.
وإذا تجاوزنا حقيقة الأرقام المعبر عنها في البيان 25 للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، بدلالاتها السياسية اللافتة، فإن لهذه الأرقام أبعاد أخرى أكثر أهمية، تتعلق بملامح الخارطة السياسية القادمة، لا من حيث التحكم فقط في نتائج الانتخابات التشريعية القادمة.
إذ أن المعطيات الواردة في البيان، لا تسمح بتوقع تحول عميق في الخارطة السياسية، بل أن التنافسية السياسية أيضا، لا يتوقع أن تخرج عن عملية الضبط التي أفرزتها مرحلة الترشح، وهذا الأمر له دلالة سياسية عميقة في مسار العملية الانتخابية والسياسية بشكل عام، فمركز الثقل في عملية التنافس السياسي لم يعد متعلقا بالرهان التي تفضي إليه نتائج صناديق الاقتراع، بقدر ما صار متعلق بالضبط المؤسساتي لشروط الدخول إلى المنافسة السياسية وربما الخروج منها.
على الرغم من أن حجم الترشح الإسلامي كبير وأكثر تنافسية وطنيا فإن عدم قدرته على تغطية مجموع كل الدوائر الانتخابية وطنيا وخارجيا، تجعل من توقع تسيده وهيمنته على المشهد السياسي القادم أمرا متعذرا..
وبهذا الشكل من المنافسة المتحكم فيها، لا يمكن توقع انحيازا ولو طفيفا للأحزاب التقليدية المهيمنة على المشهد السياسي في فترة ما قبل الحراك وما بعده، ممثلة في حزبي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، فالصورة الواضحة التي تقدمها نتائج عملية الترشح تؤكد ذلك.
وغاية ما يمكن أن يمتد له التحليل السياسي في هذا الجانب، هو أن هذه الأحزاب تعيد تموقعها في المشهد السياسي بشكل لافت، مع مزاحمة لصيقة من أهم الأحزاب التي يمكن تسميتها بالأحزاب الوسيطة أو المرنة، ممثلة أساسا في جبهة المستقبلالتي تعتبر الحزب الأول والأكثر تقديما لقوائم الترشح، بمجموع 76 قائمة (داخل الوطن وخارجه)، متقدما بذلك على كل من جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، اللذان قدما 75 قائمة (داخل الوطن وخارجه) لكل منهما، وهي نتائج أولية تشير إلى إعادة التموقع المتوقعة داخل دائرة الأحزاب السياسية التقليدية المهيمنة، فتحمل جبهة المستقبل بذلك من اسمها الشيء الكثير.
وبهذا الشكل فإن حجم الترشح الذي عبر عنه التيار الوطني، خلال هذه المحطة، يسمح ببناء تصور استشرافي للنتائج القادمة للانتخابات، من خلال امتداد ترشحه إلى كل الدوائر الانتخابية، ومن ثم وباعتباره القوة التنظيمية الأكبر فإن استمراه كأكبر كتلة برلمانية شيء مؤكد..
وأكثر ما يمكن توقعه هو إعادة توزيع النفوذ داخل هذا التيار الوطني لصالح جبهة المستقبل وليس إنهاء هيمنته. لكن الأكثر دلالة على مستوى العملية السياسية برمتها، أن الحراك السياسي في مجمله ما قبل 2019 وما بعدها لم ينتج قطيعة أو تحول مهما أو ذا دلالة سياسية عميقة مع النظام الحزبي المهيمن في الجزائر.
وفي مقابل التيار الوطني يبقى التيار الإسلامي ومن خلال حجم ترشحه الأكثر منافسة نسبيا للتيار الوطني، مع تراوح نسبي على الصدارة داخل تنظيماته، إذ نجحت حركة البناء الوطني بتصدر هذا التيار بمجموع 71 قائمة ترشح (داخل الوطن وخارجه)، وحركة مجتمع السلم بمجموع 70 قائمة (داخل الوطن وخارجه) وتراجع خطير لأحزاب الإصلاح والعدالة والتنمية والنهضة بمجموع 19 و13 و10 لكل منها على التوالي (داخل الوطن وخارجه).
لم ينجح التيار الديمقراطي على الرغم من خطابه الاحتجاجي، الذي صاحب الحراك السياسي، من إحداث اختراق سياسيأوانتخابي في الساحة السياسية، بسبب ضعف انتشاره المحلي، وخيارته السياسية المبدئية، ولذلك فالمتوقع أن يستمر في تمثيله السياسي المحدود
وعلى الرغم من أن حجم الترشح الإسلامي كبير وأكثر تنافسية وطنيا فإن عدم قدرته على تغطية مجموع كل الدوائر الانتخابية وطنيا وخارجيا، تجعل من توقع تسيده وهيمنته على المشهد السياسي القادم أمرا متعذرا..
لكن مؤشرات الترشح خلال هذه المحطة الانتخابية وقوته التنظيمية اللافتة، توحي بأن التيار الإسلامي يمكنه المحافظة على حضوره القوي داخل البرلمان، ويمكنه أن يشكل القوة المعارضة المنظمة الأولى داخل البرلمان، إذا ما استطاع تجاوز لعبة النفوذ السياسية، لصالح منطق الأوزان السياسية الحقيقية وقوتها التمثيلية، وإذا ما استطاع بشكل عام تجاوز حالة الانقسام والتشتت الداخلي التي يعاني منها، و منطق المنافسة السياسية الشديدة القائمة بين مكوناته.
وبالنسبة لأحزاب التيار الديمقراطي وعلى الرغم من صعوبة تصنيف أحزابه في المرحلة الحالية، فإن ملامح الترشح لديه تظهر حالة من التراجع الخطير، فأحزاب مثل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي لم ينجح في الترشح إلا في 10 دوائر انتخابية (8 داخل الوطن و2 خارجه)، وحزب جيل جديد الذي قدم 12 قائمة(10 داخل الوطن و2 خارجه)، والتحالف الوطني الجمهوري الذي قدم 7 قوائم فقط داخل الوطن، وغيرها من الأحزاب، التي تعاني من محدودية ترشحه وبالتالي من ضعف تمثيله على المستوى الوطني.
لم ينجح التيار الديمقراطي على الرغم من خطابه الاحتجاجي، الذي صاحب الحراك السياسي، من إحداث اختراق سياسيأوانتخابي في الساحة السياسية، بسبب ضعف انتشاره المحلي، وخيارته السياسية المبدئية، ولذلك فالمتوقع أن يستمر في تمثيله السياسي المحدود، وإذا ما حقق نجاحات لافتة فإنها لن تكون خارج دائرة نفوذه كالمدن الكبرى أو بعض المناطق الجهوية ذات النزعة الخاصة، التي تسعى بعض أحزاب هذا التيار للاستفادة منها، في استدامة حضورها في المشهد السياسي، أكثر منسعيها لتحقيق نتائج فارقة، من شأنها أن تؤثر في الخارطة السياسية القادمة، أو تنافس من خلالها التيارين الوطني والإسلامي، إذ يبدو أن ذلك الأمر محسوما مبدئيا، فالنتائج دائما مرهونة بالمقدمات، والمرجح أن تفض النتائج إلى كتلة سياسية صغيرة بتأثير انتخابي محدود وتأثير سياسي واعلامي ظاهر.
وعلى مستوى التيار الاشتراكي بأكبر ممثليه في الساحة السياسية، من خلال جبهة القوى الاشتراكية التي قدمت 27 قائمة (22 قائمة داخل الوطن و5 خارجه)، وحزب العمال الذي قدم 29 قائمة (داخل الوطن)، وعلى الرغم من تمثيلها المتوسط في المحطات السابقة، فإن حجم الترشح يجعل من المتوقع استمرار تراجع تمثيل هذا التيار على مستوى البرلمان والاكتفاء بتمثيله الرمزي، ليؤكد حقيقة أن هذا التيار قد فقد موقعه كقوة معارضة مركزية في الساحة السياسية بمعطياتها الحالية.
وإذا أخذنا بمنطق التوزيع الهوياتي للأحزاب السياسية، فإن الأحزاب ذات البعد الأمازيغي، والممثلة أساسا في كل من جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وهما الحزبان الذين ظلا في المراحل السابقة أكثر تمركزا في منطقة القبائل وأقل حضور على المستوى الوطني، وحجم الترشح يظهر أن هذا التيار مرتبط بخزانه التقليدي في الولايات الأكثر حضورا لهذا البعد، والرهان المتوقع لهذا التيار هو المحافظة على استمراره في التعبير عن هذا المطلب وكفاعل سياسي تاريخي.
عملية الترشح لم تصبح مجرد إجراء أولي سابق لعملية الانتخاب، بل هي عملية سياسية أولية لها تأثيرها الجوهري على المشهد السياسي القائم، تعزز فيها دور المؤسسة الانتخابية في غربلة وتنظيم الانتخابات ومن ثم كمحدد أساسي للولوج إلى ساحة التنافس السياسي.
وفي الجملة فإن نتائج البيان 25 تؤكد تحولات رئيسية ثلاث متوقعة، دون أي مخالفة لمنطق التوجهات السياسية القائمة: حيث سيستمر التيار الوطني في المحافظة على هيمنته مستفيدا من تشتت التيار الإسلامي وتفرقهوتراجع باقي التيارات الأخرى، وسيحافظ التيار الإسلامي على صعوده ومنافسته القوية، من حيث الانتشار لا من حيث قوته السياسية التي قد تذهب بها حساباته الضيقة وتنافسيته الداخلية، كما أن الأحزاب ذات التوجه الديمقراطي واليساري وذات البعد الأمازيغي ستبقى حبيسة لخيراتها المبدئية وعدم قدرتها على الترشح الوطني الواسع.
أما على مستوى القوائم الحرة، فإن مؤشر حجم الترشح والتراجع الظاهر بتقديم 144 قائمة (داخل وخارج الوطن) يؤكد علىمحدودية التأثير في ظل التنافسية الحزبية الكبيرة، وإذا لم تستفد هذه القوائم الحرة من الهندسة الانتخابية الدقيقة لقوائمها، واحتوائها على فاعلين سياسيين ذوي تأثير جماهيري مبدئي، أو انتماءات إلى أوعية سياسية تقليدية، فإن حجم تأثيرها لن يكون ذا دلالة سياسيةكبيرة.
وفي الجملة فإن نتائج الترشح كما عبر عنها البيان 25 والتوقعات المستندة إليه، أن الترشح للانتخابات لم يعد مجالا مفتوحا على احتمالات اختراق كبيرة للحقل الحزبي ضمن شروطه ومحدداته، بقدر ما يتجه لأن يكون أكثر اقترانا بالمحددات التنظيمية، وأكثر خضوعا لمعايير الضبط القانوني والإداري، التي جعلتنا لا نتوقع نتائج مخالفة لما أفرزته نتائج عملية الترشح.
وبهذا المعنى يصبح البيان يحمل مؤشرات مبكرة على طبيعة الخارطة السياسية في ضوء انتخابات الثاني من جويلية القادمة، وعملية الترشح لم تصبح مجرد إجراء أولي سابق لعملية الانتخاب، بل هي عملية سياسية أولية لها تأثيرها الجوهري على المشهد السياسي القائم، تعزز فيها دور المؤسسة الانتخابية في غربلة وتنظيم الانتخابات ومن ثم كمحدد أساسي للولوج إلى ساحة التنافس السياسي.
وهذا ما يجعل من هذه القراءة ليس مدخلا لقراءة عملية الترشح فقط، بل أيضا لفهم طبيعة التحول السياسي الجزائري وحدوده في هذا الشأن.
بقلم: أ. سالمي العيفة
كلية العلوم السياسية جامعة الجزائر 3.
@ مقال سابق للكاتب: التيارات السياسية في الجزائر وسؤال الفشل؟

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.