لست هُنا للوم المتحدّثين بوفرة عن الصغيرة الجميلة "زانا"، لقد آلمني رحيلها يوما، بل كتبت فيها أجمل أسطر، وأحببت -وما أزال- نجاح والدها لأجلها، حين كنت مهووسا بكرة القدم، رغم عدم إلتقاء مسارات ألوان الفِرق التي نحب.
أنا هُنا لا أقارِن، بل أكتب هذه الأسطر من أجل نفسي ولأجل أطفال غزة فقط، فعذرا “زانا” لقد التقيتك في طريقي نحو لوحة المفاتيح فقط.
يُريد الأباء في غزة أن يهتم العالم لأبنائهم أيضا، مثل “زانا” أو غيرها من أطفال الدول الغربية، لا يريدون مُفاضلة أو معاملة خاصة (رغم أنهم يستحقون)، بل يريدون عدلًا في الموت والاهتمام به.
البطلة ابنة البطل..
قاد المدرب الإسباني لويس إنريكي نادي باريس سان جيرمان الفرنسي لتحقيق أول لقب في دوري أبطال أوروبا في تاريخ النادي، بعد فوز كاسح على نادي إنتر ميلان الإيطالي بنتيجة 5-0.
وأهدى إنريكي اللقب التاريخي، إلى روح ابنته الراحلة “زانا” التي غادرت الحياة عام 2019، حين كانت تبلغ من العمر 9 أعوام، بعد أن حاربت سرطان العظام لمدة 5 أشهر، قبل أن تصعد روحها ويُحطّم قلب والدها.
ورفعت أيضا جماهير النادي “الباريسي” بعد نهاية المباراة لافتة كبيرة تحمل صورة لطفلة ترتدي قميص الفريق، وهي صورة الصغيرة الراحلة ابنة إنريكي، تكريما له ولها.
تفاعل كبير..
أثارت هذه اللفتة من إنريكي وجماهير باريس سان جيرمان تفاعلا كبيرا ومشاعر واسعة بين الجماهير والمتابعين عبر العالم، معبرين عن إعجابهم بالمُبادرة الإنسانية التي زينّت ختام نهائي المسابقة الأعتى للأندية.
لقد احترمت الجماهير ألم الصغيرة، ومقاومة والدها معها إلى آخر رمق، قبل أن ترحل وتترُك في قلبه جرحا غائرا لا يندمل، لكن تخفّف ألمه تتويجات من أجلها أولا ومن أجله ثانيا ومن أجل المتعاطفين معه ثالثا.
@ طالع ايضا: آلاء النجار.. حين تعجز الطبيبة عن إنقاذ أبنائها
“نريد الموت مثل أطفال العالم”..
لا شيء يُعادل فقدان الأب لفلذة كبده، لكن ما يخفّف ألمه أن يفقده في فراشه محاطا برعاية كاملة، لا ينقصه لا أمن ولا ماء أو طعام أو غيرهما من أساسيات الحياة..
وهذا ما يحزّ في نفس كل أبٍ غزاوي منذ السابع من أكتوبر وبداية حرب الإبادة المستمرة، وقبلها أيضا فالقضية ليست وليدة هذا اليوم، فما قبلها أسوء.
وضع مأساوي..
يعيش سكان غزة وضعا مأساويا للغاية، بعد عشرين شهرا من الجرائم في حقهم من الاحتلال الصهيوني الذي يتفنّن في طُرق إرسالهم للقبور.
منذ السابع من أكتوبر 2023، ووفقا للأمم المتحدة، استشهد أكثر من 15 ألف طفل على يد الجيش الصهيوني، ويزداد هذا العدد المروع بمعدل 25 طفلا يوميا..
ولا يفرّق جيش الاحتلال في قصفه الممنهج اليومي بين الرجل والمرأة والطفل، بل ويتعمّد دائما قصف التجمعات السكانية الكبيرة لقتل أكبر عدد ممكن، وغالبا ما يكونون أطفالا.
أرقام من غزة..
منذ السابع من أكتوبر 2023، ووفقا للأمم المتحدة، استشهد أكثر من 15 ألف طفل على يد الجيش الصهيوني، ويزداد هذا العدد المروع بمعدل 25 طفلا يوميا..
في حين أصيب أكثر من 34 ألف طفل، بينهم 4 آلاف طفل على الأقل احتاجوا إلى عمليات بتر، غالبا دون تخدير.
وتم إحصاء أكثر من 20 ألف طفل تيتموا ويعيشون في ظروف مأساوية، غالبا في الشوارع، مضطرين للاعتماد على أنفسهم، وأيضا آلاف الأطفال في عداد المفقودين، وربما ماتوا مدفونين تحت الأنقاض.
وأحصت الأمم المتحدة، ما يقارب الـ17 ألف طفل معرضون لخطر الموت جوعا بسبب المجاعة التي تنتهجها القوات الصهيونية، بمنعها المساعدات الإنسانية عن القطاع.
@ طالع أيضا: أمام وجع “غزة”.. لماذا لا يحقّ لنا الانسحاب؟
أمثلة من آلاف..
في واحدة من أفظع صور الإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الاحتلال بحق المدنيين في قطاع غزة، استقبلت الطبيبة آلاء النجار، اختصاصية الأطفال العاملة في مجمع ناصر الطبي، جثامين وأشلاء متفحمة لتسعة من أطفالها، إثر غارة جوية استهدفت منزلها في منطقة قيزان النجار جنوبي خان يونس.
“اسمي عمر حسن حلاسة، أبلغ من العمر ثماني سنوات، وسأكون يوماً أهم نجم كرة قدم في العالم”..
هذا ما قاله طفل بريء مارس كرة القدم في أكاديمية الوحدة الرياضية بغزة، قبل أن يفارق الحياة في قصف “إسرائيلي” على القطاع، ليرافق آلاف الأطفال من الشهداء في العدوان الصهيوني المتواصل على قطاع غزة إلى غاية كتابة هذه الأسطر.
يريد الآباء في غزة أن يبكي معهم كل العالم (دون استثناء)، لأن ما يعانونه فاق التصور، ولا يتحمله بشر، يريدون أن يبكوا بحضن مثل “لويس” ويموت ويُدفن أطفالهم مثل “زانا”.
الطفل محمد زامل وُلد عبر عمليات لتعزيز الإخصاب والحمل بعد 15 عامًا من الانتظار وتنقّل والداه بين عدة دول من أجل العلاج، لكنه استشهد، وهو وحيد والديه متأثرًا بجراحه، بعد إصابته بجراح بليغة، في قصف إسرائيلي على منزل عائلته في جباليا البلد شمالي قطاع غزة.
“نريد عدلا في الموت وما بعده”!
يُريد الأباء في غزة أن يهتم العالم لأبنائهم أيضا، مثل “زانا” أو غيرها من أطفال الدول الغربية، لا يريدون مُفاضلة أو معاملة خاصة (رغم أنهم يستحقون)، بل يريدون عدلًا في الموت والاهتمام به.
لا يريد أطفال غزة أن يُدفنوا أشلاء متناثرة أو خنقا تحت جدران منازلهم، أو عطشا أو جوعا، يريديون فقط ميتة تليق بهم وبطفولتهم وجنازة آمنة وقبرا لا يُنبش بعد حين.
يريد الآباء في غزة أن يبكي معهم كل العالم (دون استثناء)، لأن ما يعانونه فاق التصور، ولا يتحمله بشر، يريدون أن يبكوا بحضن مثل “لويس” ويموت ويُدفن أطفالهم مثل “زانا”.
@ طالع أيضا: الضمير العالمي.. كيف أغرق طوفان الأقصى السردية الصهيونية؟



تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.