تشتد الأزمة في مصر"أرض الكنانة"وتتسارع الأحداث بها كثيرا، فخلال مدة سنةواحدةسقط فيها نظامين اثنين، وهي سابقة فريدة من نوعها، لم يسبق حدوثها في أية دولة عربية من قبل، وإن كان الفرق كبيرا بين سقوط النظام الأول الذي كان يرأسه "حسني مبارك" الذي ثارعليه جميع الشعب كتلة واحدة في صف واحد تجمعهم كلمة واحدة" ثورة
25 يناير” من العام الماضي، وبين سقوط النظام الثاني “الأخواني ” الذي يوصف به والذي يرأسه الدكتور”محمد مرسي”.
هذا السقوط الثاني الذي قام به الجيش بطلب من فئة كبيرة من الشعب المصري – كما يزعم- وتحت قيادة وزير الدفاع “عبد الفتاح السيسي”. متناسيا هذا الجيش ومن معه فئة أخرى مؤيدة لا تقبل هذا السقوط ولا ترضى بهذا الانقلاب ،ولا تحتمل اغتصاب شرعيتها مما أدى إلى انقسام الشعب بين مؤيد ومعارض.وليس هذا فحسب بل أدى إلى تناحر واصطدام كبيريين بين الفئتين..
إن ما أطلق عليها “ثورة 30 يونيو” وخروج المعارضين لنظام “الأخوان ” كانت لأسباب عديدة، فيها ماهو واقع حقيقة لاجدال فيه وفيه ماهو تآمري من الداخل وأخرى من الخارج، فالقيادة التي لم تتمكن من تثبيت موضعها كما ينبغي أمام مواجهات عديدة تعرضت إليها أثناء فترة حكمها، إضافة إلى سوء اختيار شخصيات ثقة، وأيضا يرجع إلى قلة الممارسة في قيادة وتسيير شؤون دولة كبيرة مثل مصر تتفاعل مع المجتمع العالمي بكل ظواهره ومواقفه وسياساته، ضف إلى ذلك مشاكلها الكثيرة وماكانت تعانيه من أزمات عديدة في زمن المخلوع حسني مبارك..
هذه الأخطاء طبعا كانت ناتجة عن نقص الخبرة وعدم المشاركة من قبل في عملية التسيير والتسييس، دون أن لا ننسى المتربصين من المعارضين الذين يبحثون عن أي خطأ يظهرعجز وغباء حكم “الأخوان” للامساك به حتى تكون نقطة ضعف يتم استغلالها وقت اللزوم، لزيادة الحقد والكره على الدكتور مرسي و”الأخوان ” فيملٌه الشعب ويطالب باستقالتة، وإذا لم يستطع بمفرده فالجيش جاهز وفي أهبة الاستعداد لدعمه، وبالرغم من هذه الأخطاء فقد فعل مرسي الكثير مما لايجب انكاره، فقد حاول استقطاب بعض رجال السياسة إلآ أنهم رفضوا تلك الدعاوى، وتركوه وحيدا يصارع الداخل والخارج.لتبين بعد ذلك أنه – أمردبر بليل – ينفذ في اللحظة المرسومة سلفا.
وبسبب هذه الأخطاء المقصودة وغير المقصودة كرهت فئة مرسي و ازدادت رغبتها بمحاسبته، متهمين إياه ومجموعة أخرى كانت من القيادة بتهم عديدة منها التخابر والتحريض على قتل متظاهرين والاضرار بالاقتصاد الوطني، إضافة إلى سوء التسيير، كما أنهم نعتوا فترة حكمه بالحكم الفاشل الذريع، وهذابسبب ما ظهر من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والأزمات الكثيرة التي وقعت بمصر، حيث توقفت المخابز وحدثت أزمة البنزين وانتشر الفقروو..
ولذلك استاء جزء كبير من الشعب كما يقولون، ومن ثم فالواجب أن يطلب من الجيش وحامي الوطن أن يقتلع هذا النظام من جذوره لانقاذ البلد من هذا الفاشل الذي كاد أن يضيع مصرفي براثن “الأخوان ” والتخلف والارهاب مع أنه لم يتسلم زمام الأمور في البلد سوى سنة واحدة..
إن الوضع القائم والذي نلاحظه الآن هو بين فئتين تعمل احداها بكل ما أوتيت من قوة من أجل قهر الفئة المضادة والمعارضة لها واسكاتها أو جعلها تتقبل الأمر دون النظر إلى حقوقه أولا إلى مطالبها ..وهذا ما خلق نوعا من التنافر والاصطدام بينهما..هذا التناحر بين الفئتين إن لم يجد الطريقة المثلى والايجابية لحل هذا الإشكال العويص الذي أوقع نفسه فيه الجيش، دون دراسة دقيقة لما بعد هذا التصرف الذي جهل عواقبه، وأمضى فيه دون حساب للطرف الآخر، فلن يجلب إلا الفرقة وزيادة لمشاحنات كان في غنى عنها..لو اتحد الجميع شعبا وحكومة من أجل تحسين وضع البلاد الذي عاث فيه الفاسدون طيلة ستين سنة بطرق أكثر عقلانية تتحد فيها الرؤى وتجتمع فيها كل الطوائف وتتفاعل مع بعضها البعض لمصلحة واحدة هي الوطن ..
مظاهرات “الأخوان” أو مؤيدوا الرئيس “محمد مرسي ” ومن معهم من بقية الأطياف الاسلامية الأخرى وغيرها من مؤيدي الرئيس والرافضين لاغتصاب الشرعية أو ما سموه بالانقلاب العسكري، بدأت قبل إقالة الرئيس وبعده مطالبين بعودته وبحق أصواتهم التي منحوها للصندوق أثناء الانتخابات التشريعية الماضية والتي نتج عنها فوز الاسلاميين، وقد شهد لها الجميع بالنزاهة والشفافية .. و بدأت المظاهرات بطريقة سلمية للغاية حيث اختاروا المكان فكان ميدان “رابعة العدوية” بعد أن تم الاستيلاء على ميدان التحرير من قبل الرافض لحكم الأخوان ومؤيد ي اسقاط نظام “الأخوان”..
تكاثرت الأعداد في ميدان “رابعة العدوية “وتوافد إليه كثير ممن اتضحت لهم الرؤية بأن إلا أنها انتهت بوقوع أحداث دامية اعتقالات ووقوع ضحايا، سواء في “مذبحة الفجر”أو “حادثة المنصورة”والجيزة وأماكن أخرى كثيرة ، فالأمر أصبح عظيما عظيما و تزداد خطورته إن لم تسارع أطراف حاسمة لإيجاد حلول سياسية تقي مصر ماهو أشد لتقلل من سفك الدماء ..
وقد اعتبر البعض أن تجمع مؤيدو مرسي في ميدان “رابعة العدوية” هو تجمع به عدد قليل من المتظاهرين وحتى لايستحوذوا هؤلاء على مناطق أخرى، كما وأن تجمعهم في مكان واحد هو الذي جعلهم يبدون أنهم كثر و”القلة في مكان واحد تظهر كثرة” كما قال أحدهم.. فهم هناك غرباء يقوون بعضهم البعض .
واعتبره البعض الآخر أنه نوع من العقاب الذي فرضوه على أنفسهم وقبل به المعارضين، حيث قالوا عن هذ التجمع أنه – سجن مفتوح – وأن مدة التجمع هذه هي فترة للتفكير وإعادة ترتيب الأفكار وتصحيحها، فلعله يعيد التفكير في جرائمه على حد تعبيرهم و مع الوقت سيذبون في المجتمع، وحينها لن تقوم” للأخوان” قائمة لا في الداخل ولا في الخارج.
وحسبهم فإن مطالبة هذه الفئة بحقها الشرعي جريمة لابد أن يراجعوا فيها أنفسهم، فلعله يعود عن غيه ، ولذا فترك هذه المساحة والسماح لهذه التجمعات ما هو إلا فرصة للتفكير والتنازل عن المطالب، وبعد أن تنتهي هذه المدة التي لايعلم نهايتها ستتحول غصبا إلى سجن مغلق وستتم محاسبتهم بجرائم لاتعد ولا تحصى ..هذا رغم الطابع السلمي الذي تميزت به هذه المسيرات ..
إلا أن العكس هوما حدث، فقد توسع نطاق مؤيدي ‘محمد مرسي’ في ميادين أخرى غير “رابعة العدوية” سواء داخل القاهرة أو خارجها وامتدت لمناطق أخرى رغم الاعتقالات ورغم القتل، وازداوا اصرارا على مطالبهم ومازالوا يطالبون بعودة رئيسهم .. وهم مطالبون أكثر بأن يثبتوا للعالم كلٌه شرعيتهم مطالبهم لأجل تحقيقها و إستعادة حقوقهم المغتصبة ،وستبقى دعوات المتظاهرين صامدة احتجاجا على عزل الرئيس المنتخب.
من جهة أخرى يعتزم جهاز الأمن في الحكومة الجديدة المؤقتة أن كل من يعارض ويقف ضد الأمن سيتم التعامل معه وفقا للقانون وأن عليهم أن يقبلوا الواقع الجديد فالتاريخ لن يعود للوراء، وإذا أرادوا أن يدخلوا من جديد للحياة السياسية فعليهم أن يدخلوا العملية الانتخابية من جديد، معتبرين أن كل ما حدث بسبب فتاوى وأقوال تحريضية آثمة أطلقها خبثاء وأشرار ..(البيان الذي ألقاه الجيش على المعتصمين ميدان ..رابعة العدوية ).
كما دعا الجيش المعتصمين محذرا “الأخوان” ومن تبعهم لمراجعة مواقفهم .. لأن الشعب المصري اختار وانتهى، وإن لم يتراجعوا فإنهم يتحملون كل التبعات وحجتهم أن الأخوان تمكنوا من الحكم وأخفقوا اخفاقا شديدا، وكانوا على رأسي السلطة وكانت لهم أداة كثيرة لكن النتيجة كانت محبطة جدا.
انحياز الإعلام المصري الفاسد المنحاز إلى الانقلاب أو إلى جهة معينة والتابع لقيادات سياسية ، محاولا استقصاء الطرف الآخر في مشهد عبثي..ضاعف من الأزمة وزاد من اشتباك الوضع أكثر من قبل حيث بدأت الجماهير تطالب بالانضمام بعد أن استفاقت من التخدير، وبدأ يتدفق ويطالب بحقه و بصوته وحريته التي اكتسبها في ثورة” 25 يناير” عازما على أن لايقبل بعودة حكم الاستبداد والديكتاتورية التي دامت منذ60 سنة، معلنا على رغبته في المحافظة على ما حققه من مكتسبات بعد الثورة. ورافضا رجوع الحكم على دبابة..
والظاهر أن هناك رغبة حقيقية وإرادة كبيرة من الجيش لدفع هذه الحكومة لكي تنجح وليس لتفشل وأنه لن يكون متسامحا ،وكما قال “عدلي منصور “في خطابه يوم 10 رمضان ..والذي جاء في مدة لم تتجاوز ثمانية دقائق ووجه فيه رسائل محددة وبألفاظ موجزة مبينا فيها خريطة مصر الجديدة، حيث بدا فيه حاسما ودقيقا “نحن نمر بمرحلة حاسمة يريد لها البعض أن تكون مجهولة، إنهم يدفعون الوطن نحو الهاوية”.
لآن مشكلة كبيرة زج الجيش المصري نفسه فيها بعد الانقلاب الذي أحدثه ، حتى وإن كان هذا التصرف ألزم به من قبل الشعب كله، إلا أنه ليس من مهامه القضاء على النظام بقدرما تتمثل مهمته الأساسية في الدفاع عن البلاد والعباد، ونتيجة لهذا التصرف الدخيل على مهام الجيش والذي نتج عنه أولا سقوط نظام “الأخوان ” وثانيا انقسام الشعب، ولا أحد ينكر أن الأزمة في مصر تزداد في كل يوم أكثر عن اليوم الذي سبقه، ولا يبدو أن هناك انفراجا يلوح في الأفق لحل هذه المشكلة التي بدأت مسالمة وهاهي الآن تعدت إلا فوضى وازهاق لأرواح الأبرياء..
فما يجمع الآن الطرفان المتصارعان هو شعورهما بأن هناك أطرافا خارجية متآمرة مع أحد الأطراف ولذلك فهما يرغبان في تأييد هذه الأطراف لنفسه وكل منهما يتمنى التأييد لنفسه..
إن الشعب المصري شعب عظيم يمتلك رصيد حضاري ضارب في التاريخ وله عمق ثقافي، ويستطيع الخروج من هذا المأزق بأحسن الحلول وبأقل الضحايا، عن طريق احترام إرادة كل الشعب وما أفرزته الصناديق وخوض ديمقراطية حقيقية ، وعن طريق المصالحة الوطنية الحقيقية التي تعني التعامل مع جميع أطياف المجتمع وليس تدعيما لفئة واستصال الأخرى كانت في الأصل منتخبة والدخول بالبلاد في نفق مظلم .
وما دامت الإرادة موجودة فلابد من تعاون جميع الأطراف حتى لا تغرق السفينة أكثر، وتسيل المزيد من الدماء ويشتد الاحتقان .. وأن يلتئم كل طرف مع الآخر دون أن يحاول استئصاله..ومحاولة التوفيق بين الجميع بالطرق الديمقراطية الحقيقية فالآخر موجود.. ولا يمكن أن يغض الطرف عنه ويجب تقبله والاعتراف به بكل توجهاته وأفكاره وأن يشعر بحريته وتمتع بحقوقه وباختياراته للسلطة التي تكون ممثلة عنه. وعندها فقط يتحقق الاستقرار والأمن الٌلذان
أما إذا كان كل طرف يريد البقاء وحده في الميدان بأفكاره فقط فانه سيؤدي بالبلاد إلى الهلاك.. فالتاريخ ما عملته الشعوب بالاتفاق وليس ما عملته طبقة واحدة حاكمة ..كل هذا من أجل حماية البلاد ومنعها من الانزلاق نحو الفوضى والعنف
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.