زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

بيان ضد العنف

بيان ضد العنف ح.م

في بدايات الأزمة الأمنية في الجزائر، جرت مفاوضات بين السلطة وقادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لإيجاد حلّ سياسي للأزمة.

طُلب من قيادة الجبهة الإسلامية حينها رفع الغطاء السياسي عن العنف بالدعوة إلى نبذ العنف كوسيلة سياسية كخطوة أولى في اتجاه التسوية السياسية. لكن ضعف معسكر التصالحيين les Réconciliateurs في السلطة وعدم قبول قادة الجبهة مطلب نبذ العنف إلاّ بشروط سياسية أفشل تلك المساعي. وكانت نتيجة الوضع استمرار العنف الدموي وسقوط أكثر من مائتي ألف جزائري و…

كان الوضع حرجاً للغاية، كانت الجبهة الإسلامية صاحبة حق منعت منه، بعد فوزها في الانتخابات التشريعية لسنة 1991، فتمّ وقف مسار الانتخابات بإلغاء الدور الثاني الذي كان مقرّراً في 16 جانفي 1992، (كان الدور الثاني للتشريعيات سيكون أول انتخابات أشارك فيها لبلوغي السن القانوني للانتخاب، لكنها لم تحصل). وتعمقت الأزمة بعد إلغاء النتائج، وتعطيل العمل بالدستور إثر استقالة رئيس الجمهورية المرحوم الشاذلي بن جديد وتزامنه مع حلّ المجلس الشعبي الوطني، ومن ثمّ تأسيس المجلس الأعلى للدولة. واتّخذت إجراءات قمعية ضدّ الجبهة الإسلامية ومناضليها، كالتسريح من العمل والاعتقال في محتشدات الصحراء الكبرى. وامتدّ الانحراف حين تمّ نقل المعركة إلى المجتمع بتسليح القوى المدنية، ضمن بقوى الدفاع المدني والحرس البلدي.

وكردّ فعل للظلم وانتهاج سياسة أمنية شديدة، لجأ بعض أنصار الجبهة إلى العنف محاولة منهم لتغيير موازين القوّة لصالحهم، موجّهين سلاحهم للنظام. لكن لم يتوقّف الأمر على ردّة فعل محدودة في الزمان والمكان، وتوسّع العنف والعنف المضاد إلى درجة غير مبرّرة من الطرفين، وظهر بوضوح اختراق العمل المسلّح من أطراف معروفة وغير معروفة على حدّ قول المرحوم عبد الحميد مهري.

باشر رئيس الدولة ثمّ رئيس الجمهورية بعدها اليمين زروال حواراً وطنياً شاملاً مصحوباً بإجراءات تهدئة، تمكّن من خلالها كلّ من الشيخين المرحوم عباسي مدني وعلي بلحاج من مباشرة الحوار، بعد إطلاق سراحهما من السجن العسكري بالبليدة ونقلهما إلى إقامة الدولة وسط العاصمة. ما كان منتظراً منهما هو الإدانة العلنية للعنف والدعوة لوقف إراقة الدماء.

قسّم الموقف من العنف الساحة الجزائرية إلى قسمين، جهة تطالب بوقف المسلسل الدموي بقيادة أنصار المصالحة من جانب السلطة، في مقابل جهة برّرت لما عرف بخيار “الكلّ الأمني،” لا تعترف بأي مخرج غير الأسلوب الأمني كحلّ لظاهرة “الإرهاب الإسلامي”.

طُلب من قيادة الجبهة الإسلامية حينها رفع الغطاء السياسي عن العنف بالدعوة إلى نبذ العنف كوسيلة سياسية كخطوة أولى في اتجاه التسوية السياسية. لكن ضعف معسكر التصالحيين les Réconciliateurs في السلطة وعدم قبول قادة الجبهة مطلب نبذ العنف إلاّ بشروط سياسية أفشل تلك المساعي. وكانت نتيجة الوضع استمرار العنف الدموي وسقوط أكثر من مائتي ألف جزائري و…

كانت المسؤولية التاريخية للقيادة من الطرفين الأساسيين سلطة ومعارضة تقتضي دعم العقلاء من الطرفين لتحقيق أرضية مشتركة في حدودها الدنيا تضمن الأمن وحقن الدماء، لكنّ الاعتبارات الإيديولوجية والسياسية وحتّى الشخصية وقفت عائقاً أمام هذا الحلّ.

لكن ماذا يفيدنا التذكير بهذا التاريخ المؤلم والدامي اليوم؟ ألسنا نبتعد عن واقع الجزائر وهي في حراكها لنذكّرها بالأزمة والمأساة الوطنية؟ وهل من درس نستفيد منه في وضعنا الحالي؟

إنّه من المفيد اليوم النظر قليلاً إلى الوراء، محاولين أن نستلهم ما يفيدنا في التعامل مع الظرف الحالي، الذي لا يقلّ حرجاً عن تلك الأيام. لقد كان قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ يفاوضون مطلب نبذ العنف بتسوية سياسية شاملة تكون حلًّا للأزمة، وهو حقّ مشروع لها، لكنّ المؤسف في الأمر أنّ التجربة قد بيّنت بعدها أنّ ذلك كان في مصلحة الراديكاليين خاصة في صفّ السلطة من الاستئصاليين les Eradicateurs، وأنّ تكلفته من الدماء لم تكن تخطر ببال. فقد كان عدم تعاونهم ورقة أضعفت التصالحيين سواءً من السلطة أو من القوى السياسية والمجتمعية.

إنّ التذكير بالتاريخ بعجالة تبسيطية كهذه قد يثير الكثير من الجدل خاصّة في غياب رواية تاريخية مجمع عليها، لكن يمكن الإشارة إلى درس قويّ قد يساهم استحضاره من تجنّب مآلات قاسية، ألا وهو الاتفاق على نبذ العنف وسيلة وأسلوباً لحلّ خلافاتنا السياسية والإيديولوجية…

إنّ التذكير بالتاريخ بعجالة تبسيطية كهذه قد يثير الكثير من الجدل خاصّة في غياب رواية تاريخية مجمع عليها، لكن يمكن الإشارة إلى درس قويّ قد يساهم استحضاره من تجنّب مآلات قاسية، ألا وهو الاتفاق على نبذ العنف وسيلة وأسلوباً لحلّ خلافاتنا السياسية والإيديولوجية.

لقد أثبت الحراك تميّزه عندما تمسّك بالسلمية، وهو ما استدعى قيادة الجيش الوطني الشعبي بالتعهّد بحماية الحراك وعدم إسالة قطرة دم واحدة.

إنّ مسار العنف لا يتحكّم فيه أحد، فعلى الجزائريين بعد استحضار الخبرة التاريخية الامتناع عن التبرير للعنف تحت أي خطاب سياسي والتوظيف السياسي له، وعدم الانسياق إلى مقدّمات العنف المعنوي واللفظي، سواءً بتخوين أو احتقار المخالف للرّأي، وتتحمل القيادات السياسية في ذلك مسؤولية تاريخية إن لن تعبّر بوضوح رفضها المبدئي للعنف، إذا أردنا طبعاً أن لا تضيع دماء من ماتوا هدراً. فمن باب إكرام ضحايا المأساة الوطنية أن لا تكرر مأساة الجزائر مرّة أخرى.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.