زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

بوتفليقة على خطى مبارك

بوتفليقة على خطى مبارك ح.م

عبد العزيز بوتفليقة - حسني مبارك

دخل الرئيس المخلوع مبارك في فترة حكمه مرتين إلى المستشفى ، وسافر إلى نفس البلد، المرة الأولى سنة 2004 سافر إلى ألمانيا لإجراء عملية لعلاج انزلاق غضروفي، وفي المرة الثانية دخل مستشفى "هايدلبرغ" الجامعي في العاصمة الألمانية ميونخ سنة 2010 لاستئصال المرارة و ورم حميد في الاثنى عشر..

في كلتا السفريتين العلاجيتين أثار خلالهما مبارك الجدل وسط شائعات تسربت حول إصابته بمرض خطير (سرطان البنكرياس)..

على المستوى السياسي.. صورته من ألمانيا وهو ” بالبيجاما الزرقاء ” يجري اتصالات هاتفية  أثارت الجدل حول رئيس يحكم شعبه ب “البيجاما ” ،  فيما أثارت رحلته العلاجية الثانية جدلا بسبب غيابه عن بلده لأكثر من شهر ، وسط دعوات للرئيس  مبارك بالتخلي عن الحكم بسبب عجزه وعدم قدرته على ممارسة مهامه…

على غرار مبارك، أثار بوتفليقة الجدل حول حقيقة ودرجة خطورة مرضه من جهة ، وحول قدرته في   مواصلة مهامه على رأس الدولة من جهة أخرى… فإذا كان مبارك حكم بلده طيلة سنوات  بـ “البيجاما” من مستشفيات ألمانيا أو من منتزهه الشخصي في شرم الشيخ، فإن الرئيس بوتفليقة  يحكمنا  منذ مدة ليست بالقليلة من خلال الرسائل التي تُقرأ علينا في  النشرات الإخبارية..!؟

الرئيس بوتفليقة  دخل مرتين إلى المستشفى خلال سنوات حكمه ،  وسافر إلى نفس البلد للتشافي و إلى نفس المستشفى (فال دوغراس) ..المرة الأولى سنة 2005 لإجراء عملية جراحية لعلاج قرحة معدية ،  والمرة الثانية قبل أسبوع من الآن سافر إلى فال دوغراس لعلاج “نوبة اقفارية “..

وعلى غرار مبارك، أثار بوتفليقة الجدل حول حقيقة ودرجة خطورة مرضه من جهة ، وحول قدرته في   مواصلة مهامه على رأس الدولة من جهة أخرى …فإذا كان مبارك حكم بلده طيلة سنوات  بـ “البيجاما”  من مستشفيات ألمانيا أو من منتزهه الشخصي في شرم الشيخ ، فإن الرئيس بوتفليقة  يحكمنا  منذ مدة ليست بالقليلة من خلال الرسائل التي تُقرأ علينا في  النشرات الإخبارية..!؟

قد يكون كل ما ذكر مجرد صدفة ليس لها أي دلالات سياسية ، ولكن،  لو نمعن النظر في واقع  البلدين ، سنجد أن كل ما ذكر هو نتيجة واقع سياسي منحرف  ، وليس مجرد مصادفات بريئة ، ومن يدري ، فقد تؤدى نفس الظروف  و تشابه المعطيات إلى  نفس النتائج :

البداية واحدة

تسلم الرئيس المخلوع حسني مبارك رئاسة مصر في أوضاع ملتهبة عقب اغتيال الرئيس أنور السادات ، ذكريات الشعب المصري كانت مثخنة  بصور الحرب مع  إسرائيل  وعمليات الجماعات المتشددة والمواجهات الأمنية العنيفة معها ،  الشعب المصري لم يكن يبحث إلا عن الأمن  والعيش ، استشعار المواطن المصري الخطر وحالة الإنهاك التي كان عليها لم تسمح بعملية التغيير ،  ومن ثمة مطالبه السياسية  أجلها لسنوات ،  فكل ما كان يبحث عنه المواطن المصري  هو الاستقرار ، هذا المعطى ساعد في أن تمر  العهدة الأولى والثانية لمبارك بطريقة هادئة و لم تكن سيئة على الإطلاق ،  لكن سرعان ما تشكلت طبقة منتفعة من حاشية الرئيس أو ما يعرف برجال الرئيس في الوقت الذي انسحب فيه الجيش نهائيا من الساحة  السياسية وانصرف إلى التحديث والاحترافية ، ظهرت عائلة الرئيس بشكل علني في الساحة مع استحواذها على الكثير من المشاريع والمؤسسات الاقتصادية بالشراكة مع رجال الأعمال ، في ظل تأميم الساحة السياسة بشكل كامل بدأت الأمور تنفلت من بين أيدي مبارك بفعل المرض والشيخوخة ، و تؤول إلى ولده  جمال مبارك وشلته من جماعة أحمد عز و زكريا عزمي وصفوت الشريف وحسين سالم ، وهذا بمباركة من الهانم سوزان مبارك …انفتاح اقتصادي وإعلامي خادع اقتصر على رجال أعمال مقربين من عائلة الرئيس ،  وقنوات تسبح بحمد الرئيس ليل نهار وتهلل لمشروع التوريث ، وذلك ما أسهم في خلق طبقة منتفعة  تضم رجال أعمال ونخب من الطبقة البرجوازية   ثرية ثراء فاحشا ،  وطبقة معدمة  كادحة فقيرة ..

تقريبا هي نفس الظروف التي تسلم فيها الرئيس بوتفليقة الحكم:  انفلات امني،  إرهاب جماعات دموية ، انهيار اقتصادي تسببت فيه تداعيات الأزمة الأمنية ، فضلا عن انهيار أسعار البترول ، الذاكرة الجزائرية كانت مثقلة بصور المجازر والعمليات الدموية،  بوتفليقة وجد مواطنا جزائريا منهكا و مصدوما ومرعوبا تلاحقه الهواجس الأمنية يبحث فقط عن الاستقرار ولا تهمه بقية المطالب ، لذا أدار ويدير الجزائريون إلى الآن  ظهورهم لأي مسعى من مساعي التغيير حتى وإن كانت سلمية ويتوجسون خيفة من أي دعوة للتغيير ويعتبرونها  استنساخ مبطن لتجربة التسعينيات الأليمة ،   على مستوى شكل  نظام الحكم  ،  هو  نفس نمط الحكم المنتقل من نظام عسكري أو شبه عسكري إلى نظام مدني رئاسي مع تغوّل الحاشية وسطوة رجال الرئيس على القرار السياسي ، فقد  انتقل القرار من النواة الصلبة إلى الرئيس وحاشيته  ، قلت حركة بوتفليقة في العهدة الثالثة  في نفس الوقت توسعت دائرة نفوذ “الأوليغارشية” المشكلة من  المقربين :  مستشارين ووزراء ورجال أعمال وقيادات أمنية…

تقريبا هو نفس المشهد  بتجلياته : ظهور قنوات إعلامية على غرار القنوات الإعلامية التي ظهرت في مصر على  عهد المخلوع مبارك ، تتمتع بنوع من  الاستقلالية  عن صانع القرار  مع إعطائها هامشا من  الحرية الزائفة ، وتناقش قضايا حساسة ولكن غير مؤثرة ، يقف ورائها طبعا رجال أعمال ورجال إعلام  من حاشية الرئيس،  تعمل على ضوء أجندة موحدة تضمن استمرار ما هو موجود بطرق ذكية ، كل ذلك ليسمح لاخطبوط  الفساد بالتمكن ،  فيمد أذرعه في جميع مفاصل الدولة مع غياب الرقابة والمحاسبة ..و في ظل نظام مغلق على أصحابه ، يتعامل مع مؤسسات الدولة  بمنطق الحديقة الخاصة  ومع الشعب بعقلية القطيع …

تنازلات في سبيل التمديد والتوريث

الأنظمة الشمولية المستبدة في العادة لا تعوّل على شعوبها لا في وصولها إلى السلطة..ولا عند استمرارها فيها ، وتعلم تمام العلم أن بقائها في السلطة مرهون برضا القوى الإقليمية عنها وعن سياساتها،  والقوى الكبرى لا تعترف إلا بمن يحافظ على مصالحها ويعززها ولتذهب شعارات الديمقراطية ومصالح الشعوب إلى الجحيم …وبالتالي  كلما تنازل الحكام المستبدون ،  وكلما انبطحوا ، كلما رفعوا أسهمهم للبقاء في السلطة .. مبارك كان يطبق مبدأ “أقرب طريق إلى قلب أمريكا هو حفظ امن إسرائيل ” ، لذا ضاعف جرعات الانبطاح والعمالة لأمريكا وإسرائيل عندما همّ بتوريث الحكم لابنه جمال ، ووصل به الأمر  أن شيّد جدارا فولاذيا  أرضيا من دم وعرق الشعب المصري على طول الحدود مع غزة ، حتى يمنع الفلسطينيين من حفر الأنفاق ، وكأنه لم يكفه  غلق المعابر بشكل كامل ..  مبارك لم تكن لديه مشكلة في أن تقرع  تسيبي ليفني طبول الحرب على غزة من القاهرة تحديدا ، مبارك وصلت به العمالة أن سمح لعصابة أمن الدولة  التحقيق واستنطاق مصابي حماس في المستشفيات  المصرية ، وبلغت به الخسة أن منع  الأطباء من دخول غزة…مبارك كان يفعل ذلك لأجل عيون ولده جمال وحتى يسترضي أمريكا ويفعل ما يحلو له بعدها..!

الجزائر انتقلت تدريجيا  إلى سياسة الانبطاح ،  بصورة لا تختلف في شيء عن انبطاح مبارك،  فالبقاء في السلطة له ثمن ،  الشركات البترولية الأمريكية  وغيرها من الشركات المتعددة الجنسيات  عاشت ربيعها طوال فترة حكم بوتفليقة ، كما أن الموقف من القضية الفلسطينية ظل باهتا وغير مقنع ، فالرئيس بوتفليقة لم ينبس ببنت شفة بعد العدوان على غزة أواخر سنة 2008  وعدوان شهر نوفمبر من السنة الماضية  ، واكتفت السلطة في عهده  ببيانات الشجب و الإدانة عن طريق وزارة الخارجية  ، ولم تسمح وزارة الداخلية الجزائرية بمسيرات تدعم الشعب الفلسطيني  كأضعف الإيمان،  بل قمعت بضعة أفراد أرادوا إعلان تضامنهم مع الفلسطينيين،  في الوقت الذي خرجت مسيرات منددة بالعدوان على غزة في إسرائيل  نفسها … !؟

ولعل فتح المجال الجوي للطائرات الفرنسية لقصف الجماعات المسلحة في شمال مالي ،  ومنح الشركات الفرنسية تنازلات اقتصادية غير مسبوقة ..كل ذلك يندرج في سياق استمالة المجتمع الدولي من أجل إبقاء الوضع على ما هو عليه ، وغض الطرف عن عملية جراحية تستهدف تمديد الحكم أو توريثه لشخص مقرب ، وجعله حقا مكتسبا للحاشية  ومن دار في فلكها،  وانتقل الانبطاح  للقوى الامبريالية العالمية مداه عندما أقرضت الجزائر صندوق النقد الدولي بمبلغ 5 مليار دولار.. !؟

مسخ سياسي واحد

تتجسد حالة المسخ السياسي في أبشع صورها عند الأنظمة الشمولية التي تستخف بقدرات شعوبها  ، فتبلغ بها ” البجاحة ”  بأن تنظم انتخابات فلكلورية تثير الضحك ، وتحول العملية السياسية برمتها إلى مجرد مسخرة أو مسرحية هزلية ،  في مصر على سبيل المثال ..عرفت آخر انتخابات نيابية نُظمت في عهد المخلوع تجاوزات غير مسبوقة  ، ونتائج خيالية كشفت في نهاية الأمر عن حالة التبلد الكامل التي كان يعيشها النظام السياسي،  والذي بدا  وكأنه يعيش  آخر مراحل عمره الافتراضي ، العبقرية السياسية  المصرية جعلت من برلمان 2010 يكتسحه الحزب الوطني ب 420 من أصل  518 مقعد برلماني.. !؟ فكان هذا “البرلمان المعجزة “أحد الأسباب المباشرة لثورة 25 يناير .

ولأننا نسير على  نفس الطريق،  فلا غرو أن نجد منتهى “النزق  السياسي ” في انتخابات ماي 2012  ، أين شاهدنا برلمان الخيال العلمي ،  و الإبداع السياسي ،  أو “برلمان 220فولط ” الذي لا يختلف في شيء عن “برلمان مبارك 2010 ”  والمثير في الأمر أنه ليست المعارضة فحسب من شبهته ببرلمان مبارك  ،   بل أحد أبرز حلفاء السلطة(لويزة حنون )لم تجد إلا هذا الوصف لتعبر عن حالة الخبل السياسي التي وصل إليها النظام.. !

موقف الجيش

قد يتساءل الكثيرون:  ما هو موقف الجيش من حالة التردي السياسي والفساد المالي  ؟؟ ينطبق على أفراد وقيادات  الجيش ما ينطبق  على جميع الإطارات العاملة في مؤسسات الدولة ..فيها الخيّر الذي يرفض و يتعفف ، و يتألم في صمت ،  وفيها من يشارك في منظومة الفساد ،  ويغترف مع المغترفين..

في مصر مثلا،  كانت قيادات الجيش  ترى فساد رجال الرئيس مبارك ولم يكن لديها ما تفعله حيال ذلك ، وكانت بين خيارين أحلاهما مر،  بين الانقلاب على مبارك مع تكاليفه الباهظة ومخاطره العظيمة  ، وبين  الصمت ورؤية مقدرات البلد  تنهب من شلة جمال مبارك وأحمد عز وحسين سالم ، لذا.. كانت قيادات الجيش أكبر المرحبين بثورة الشعب المصري في 25 يناير  على حكم الرئيس مبارك ، وكأني بها كانت تنتظر الغطاء الشعبي لعزل مبارك…

في وثيقة دبلوماسية أمريكية مسربة نشرها موقع ويكليكس ،  و يعود تاريخها إلى سنة 2007 كشفت محادثات جرت بين مسؤولين  في السفارة الأمريكية ونائب برلماني سابق (حذف الموقع اسمه لدواعي أمنية وقانونية) عن معلومات خطيرة ، مفادها أن وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي،  كان جد مستاء من جمال مبارك وشلته ، إلى درجة أنه لم يستبعد الانقلاب على الحكم في حال توريث مبارك السلطة لابنه جمال ..!؟

وفي السياق ذاته تبرز شهادة الكاتب الصحفي مصطفى بكري – رئيس تحرير جريدة الأسبوع- حول الوضع العام داخل مؤسسة الجيش،  وطريقة تعاطيه مع فساد شلة جمال مبارك قبل الثورة المصرية : “لقد كان المشير طنطاوي عازفًا عن السلطة، وكثيرًا ما أبدي معارضة شديدة داخل مجلس الوزراء في مواجهة الخصخصة وانتشار الفساد وزواج السلطة والثروة، وأذكر أنني كنت أؤدي واجب العزاء في وفاة أحد الأصدقاء بمسجد عمر مكرم، وهناك تقابلت بمحض الصدفة مع أحد الوزراء، الذي ما أن رآني حتى انتحي بي جانبًا وقال لي والسعادة تبدو علي وجهه: هل سمعت ماذا فعل المشير طنطاوي أول أمس في اجتماع مجلس الوزراء؟ واستكمل حديثه: ‘لقد اعترض بشدة على بيع بنك القاهرة واتهم نظيف وشلته ببيع مصر للأجانب”

وقال الوزير: لقد كان المشير حادًا وحاسمًا ووجه إليهم ما يشبه الإنذار للتوقف عن هذا العبث وقال بلغة تهديدية: ‘إن القوات المسلحة لن تقبل ببيع صناعة مصر وبنوك مصر للأجانب والنصابين’.

لم تكن هذه الرواية غريبة عني( والكلام لمصطفى بكري ) فأنا شخصيًا استمعت من المشير أكثر من مرة انتقادات واسعة لشلة جمال مبارك ولحكومة نظيف. لقد كان يردد دومًا القول: ‘إن البلد أصبحت في يد مجموعة من الأولاد العابثين الذين لا يقدرون مصلحة البلد والذين نهبوها وخربوها’.

كنت أشفق علي المشير كثيرًا، فقد كان يشعر بأن الوطن يضيع أمام عينيه، وكثيرًا ما كان يقول: إنه يريد أن يمضي بعيدًا عن هذا الفساد الذي استشرى في البلاد’

لقد نشرت هذه المعلومات التي أدلي بها الوزير وصدرت صحيفة ‘الأسبوع’ لتحمل مانشيتًا رئيسيًا يقول: ‘وزير سيادي يتهم حكومة نظيف ببيع مصر للأجانب’ ويومها قامت الدنيا ولم تقعد، وثار أحمد نظيف وطلب من وزير الداخلية معرفة اسم المصدر الذي أمدني بهذه المعلومات، ولكن الداخلية فشلت في ذلك. وعندما التقيت المشير طنطاوي في وقت لاحق بادرني بالقول: ‘ عملت مشكلة كبيرة بالمعلومات التي نشرتها’.

كنت أعرف أن الرئيس السابق لم يكن راضيًا عن مواقف المشير وقد عاتبه أثناء افتتاح فندق ‘الفورسيزونز’ بالإسكندرية، طالبًا منه أن يبتعد عن الملف الاقتصادي، وعندما حاول المشير توضيح خطورة ما يجري، بدا أن الرئيس غير مكترث ” انتهى ( المصدر : جريدة الأسبوع مقالة : الجيش والثورة من الميدان إلي الانتصار – الجزء الأول-)

لقد ظل موقف المشير طنطاوي -وزير الدفاع المصري-  موقفا شخصيا ولا يمثل مؤسسة الجيش في شيء ، إلى أن قامت ثورة 25 يناير وظهر أنه موقف معظم قيادات الجيش المصري والذي اتضح بأنها نأت بنفسها عن عمليات الفساد المالي والسياسي،  فماذا عن موقف القيادات العسكرية الجزائرية ؟؟

المصادفة أننا لا نعدم في الجزائر وثيقة أمريكية مشابهة،  تحلل الوضع السياسي في البلد ، وتكشف علاقة الجيش بالسلطة وموقفه من حالة الفساد المستشري … !؟

في وثيقة دبلوماسية  أمريكية  نشرها موقع ويكليكس ، يعود تاريخها إلى سنة 2007  خلص فيها  تحليل السفير الأمريكي السابق روبرت فورد من خلال لقائه مع مجموعة من السياسيين والصحفيين إلى مجموعة من المعلومات والتي تبدو دقيقة وذات مصداقية : أن الجيش لم يعد متحدا كما كان في السابق ، وابرز في الوقت ذاته حالة الانقسام التي يعيشها بين كبار الضباط  وصغارهم أين يلقى صغار الضباط باللائمة على كبار الضباط في ما وصلت إليه البلاد من فساد  وسوء تسيير ،في  نفس الوقت كشفت الوثيقة  عن فساد بعض القيادات العسكرية بالاسم ، و فيما ألقت قيادات عسكرية أخرى  باللائمة على الرئيس وحاشيته  ،  ولعل ابرز ما جاء  في ذات الوثيقة : سعيد  سعدي( زعيم الارسيدي السابق )خلال لقائه مع السفير الأمريكي نقل  ما دار بينه وبينه وبين الجنرال توفيق ( قائد جهاز المخابرات ) في لقاء سابق جمعهما حول موضوع الفساد  في مكتب الجنرال توفيق بمقر مديرية الامن والاستعلام في ابن عكنون   ،  وبحسب سعدي فإن الجنرال توفيق أقر بالمشكل بعدما واجهه به ، مشيرا بصمت لبورتريه بوتفليقة المعلق فوق رأسيهما، موضّحا لسعدي بأن حدود المشكل وصلت إلى أعلى هرم السلطة…”( الجنرال توفيق يشير بطريقة غير مباشرة لحاشية الرئيس المحتمية بالرئيس بوتفليقة).

بين التلاوم المتبادل والتورط  المباشر،  لا يختلف  موقف القيادات العسكرية في الجزائر عن نظرائهم في مصر،  فهم في الغالب يعبرون عن مواقفهم بصفة شخصية وتختلف طرق التعبير عن  مواقفهم باختلاف مواقعهم، حتى وان كانوا غير مطالبين من الناحية الدستورية بالتدخل في الشؤون السياسية..  الحديث عن اعتراض الجيش على قرارات الرئيس أو سياساته بعد سنة 2004 لم يعد موجودا كما كان في السابق  ، وكل ما يُطرح  في هذا السياق كلام تغيب عنه الدقة ويتسم بالمبالغة وقد ظهر أن  الرئيس وحاشيته يغردون   في عزف منفرد ،  الحديث عن ثنائية  المخابرات والرئاسة في تسير الدولة كإفراز لحالة فك الارتباط مع باقي قيادات الجيش سنة 2004  هو حديث واقع بالفعل لكن ليست بالصورة التي تروج ،  هي ثنائية متحالفة وليست متناقضة أو متضاربة..

يبدو أننا بصدد إنتاج نظام مبارك بتفاصيله المملة،  والتي بلغت حدّ التطابق.. فعندنا مبارك المعتل الصحة بنظامه الهش والمتضعضع، وعندنا سياسته وإعلامه،  وعندنا برلمان مبارك بتكوينه الخرافي… وعندنا جمال مبارك.. فلم يتبق لنا  إلا أن نسمع الرئيس بوتفليقة يقول لنا: لم أكن انتوي الترشح لعهدة رئاسية جديدة…!؟

في ظل نظام تسيطر عليه الاوليغارشية وتتجاذبه عصابات المصالح وتهيمن عليه الزمر المتنفذة  ،  هو أمر جعل  جميع مؤسسات الدولة في حالة ارتباك وتضعضع،  فلم تعد المؤسسات والأجهزة  على قلب رجل واحد كما كانت في وقت سابق  ، حتى أقوى الأجهزة والمؤسسات (المخابرات والجيش)، وبالتالي لا يمكن أن نتحدث عن صراع أجهزة ومؤسسات ،  كالرئاسة مع المخابرات أو الرئاسة مع الجيش أو الجيش مع المخابرات …بقدر ما نتحدث عن مواقف شخصية لا تتجاوز ردود فعلها حدود التعبير  عن حالة “عدم الرضا على  الأوضاع العامة ” و يمكن وصفها  ب “حالة تململ ” أو  “تعبير عن مشاعر استياء”  وقد تترجم بمواقف غير معلنة وبطريقة غير مباشرة كما حدث سنة 2004 مع العماري( بالاستقالة ) أو باعتراف الجنرال توفيق لسعيد سعدي سنة 2007 أو تنتهي بتسريب صحفي ، على غرار رسالة حسين مالطي  التي حمل  فيها الرئاسة والمخابرات  مسؤولية الفساد في مؤسسة سوناطراك ، والتي نشرتها الصحف الوطنية في وقت سابق ، هذا الأمر ربما ينسخ أي كلام بعده يشير إلى وجود صراع بين مؤسسة الرئاسة وجهاز المخابرات على خلفية فضائح الفساد المدوية التي طالت بعض رجال الرئيس، فيُربط  جهاز المخابرات بالملفات المتفجرة والحال أن أول تسريب من هذه النوعية طال الرئيس بوتفليقة والجنرال توفيق شخصيا ..

ملفات الفساد التي ظهرت مؤخرا،  تأتي كنتيجة طبيعية لاختلاف مكونات الاوليغارشية على بعض القضايا،  فهي عادة ما تتفق على المصالح المشتركة،  وتتصارع عندما تتعارض مصالحها أيضا ، فعلى سبيل المثال إزاحة بلخادم و اويحي من رئاسة الآفلان والارندي ،  تعدّ أحد أشكال هذا الصراع ونتائجه المباشرة .. كما يمكن اعتبار استهداف  رجال الحاشية المقربة  وخاصة شقيق الرئيس يندرج في سياق الهجوم المضاد ،  قد تكون بعض الخلايا النائمة في مؤسسة الجيش أو في مؤسسة المخابرات بصفة شخصية وليس  بصفتها المُؤَسَسية  ،  تحالفت مع بعض المتضررين من تغوّل شقيق الرئيس،  فحركت بعض الدوائر الإعلامية والسياسية  المرتبطة بها ، لتنفيذ عملية اغتيال سياسي لوقف حالة التمدد والتوسع المطلق في سياق الهيمنة على مراكز صناعة القرار ( داخل الجهاز التنفيذي والمؤسسات الأمنية )  والتي باشرها شقيق الرئيس منذ مدة تمهيدا لترتيب معين بعد مرحلة الشقيق الأكبر … ( قارن بين تسريبات فساد شقيق الرئيس و تسريب الوزير للصحفي مصطفى بكري )

خلاصة كل ما قيل:

يبدو أننا بصدد إنتاج نظام مبارك بتفاصيله المملة،  والتي بلغت حدّ التطابق.. فعندنا مبارك المعتل الصحة بنظامه الهش والمتضعضع، وعندنا سياسته وإعلامه،  وعندنا برلمان مبارك بتكوينه الخرافي… وعندنا جمال مبارك.. فلم يتبق لنا  إلا أن نسمع الرئيس بوتفليقة يقول لنا: لم أكن انتوي الترشح لعهدة رئاسية جديدة…!؟

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

5 تعليقات

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

  • تعليق 5223

    ع,ب,مسعودي

    تُشكر يا أستاذ على هذا المقال، وعلى هذه المقارنة.
    لكن أريد أن أضيف، أن الجزائر لم تفتح مجالها الجوي لعبور الطائرات الحربية الفرنسية، بل كان ذلك بدون استئذان، وتم ترقيع الأمر بتصريحات للخارجية الجزائرية.
    2- لقد صفعتنا أمهم فرنسا عدة مرات في عهد الصعلوك اليهودي ساركوزي، كم سمته مجلة ماريان الفرنسية.
    وهاهي تصفعنا عندما زار هولاند الجزائر وصرح أنه يؤيد الحل السياسي في مالي، ونظرته متطابقة مع الجزائر، ولكن بعد عودته إلى بلده وبأيام قليلة قرر الهجوم بدون استشارة أحد، باستثناء أمريكا للتنسيق فقط.
    والغريب أن زيارته التي تم التحضير لها منذ انتخابه، لم تدر على الجزائر أية اتفاقيات مهمة تذكر، وبالمقابل تم عقد أكثر من 25 اتفاقية مع المغرب، وفي خرجة مفاجئة ، تم تأييد الطرح المغربي في قضية الحكم الذاتي للبوليزاريو.
    هذا على سبيل المثال، لاالحصر.
    أخيرا، سيادتنا تهاوت منذ وفاة الزعيم هواري بومدين رحمة الله عليه، ومسلسل الاهانات مازال يتوالى وزمن المواقف قد ولىّ مع أصحابه.

    • 3
  • تعليق 5216

    موسطاش

    ان شاء الله سيكون مصيره مثل مصير مبارك.

    • 3
  • تعليق 5265

    التهامي سفيان

    الاخ : سحنون مقا لك تضمن عدة حقائق لايمكن انكارها خاصة في ما يخص الفساد بشتى انواعه، وفي جميع القطاعات الا ستراتيجية منها ،ولكن أنظر الى الوراء قليلا كيف كانت الجزائر ؟وكيف هي الآن؟ ألم نمر بفترة جد صعبة حرمنا حتى من الخروج الى الشارع وكنا نلزم بيوتنا ابتداء من الساعة الثالثة زوالا خشية من تعرضنا لمكروه من قبل الإرهاب الغاشم ألم يكن بوتفليقه هو الذي أخمد نار الفتنة كما وعد بها في حملته الانتخابية ؟ ألم يخلص الجزائر من المديونيةالمتراكمة عليها من طرف صندوق النقد الدولي ؟ ألم يسترجع الامن والسلام الى ربوع الوطن ؟ أليس هو الذي استرجع صورة الجزائر في الخارج ؟ لماذا تنكرون الجميل ؟ الجزائر احسن حالا من ذي قبل ومقارنتك لها (بمصر) فيها مغالطة كبيرة وشتان بين نظامنا ونظامها ،اللهم الا إذا كنت تهدف الى دغدغة عواطف الإسلاميين الذين مازالوا يحلمون بإنشاء الخلافة الإسلامية التي لاوجود لها الا في رؤوس بعض المغفلين عندنا .

    • 0
  • تعليق 5269

    مفتاح سحنون

    الأخ سفيان التهامي : بداية أود أن أشكرك على قراءة المقال والتفاعل معه
    بالنسبة للإجابة على أسئلتك
    -عودة الأمن والاستقرار لم يكن انجاز بوتفليقة ، بل هو انجاز الشعب ، الشعب هو الذي حسم خياره ورفض الإرهاب، بوتفليقة لم يصعد للجبال لكي يحاربهم ،و لم يصعد للجبال لكي يفاوض الخيريين منهم كما فعلت بعض قيادات الجيش ، أنت تعرف أين كان بوتفليقة قبل سنة 1999 وتعرف أين سيذهب بعد أن تنتهي مهمته ، الجماعات المسلحة كانت تحمل في طياتها بذور فناءها، لان الذي يفتي بتكفير الشعب وجواز قتله ، هذا شخص مخبول قضى على نفسه بنفسه لأنه قطع أي أمل في دعمه أو التعاطف معه ومع قضيته فيفقد مصداقيته ، ومن هذا المجنون الذي كان يراهن على نجاح مشروع عدمي انتحاري قائم على استعداء الشعب ، من كان يملك ذرة من عقل يدرك أن مشروع الإرهاب آيل إلى زوال طال الزمن أو قصر و مجيء بوتفليقة تصادف مع بداية نهاية الجماعات المسلحة ، ونهايتها كانت بجنون دموي عبثي وانتهت بالمجازر التي ارتكبتها في حق الشعب الأعزل والتي جسدت حالة القنوط و الشعور باليأس والعجز فكان ذلك بداية سحب الغطاء السياسي والشعبي عنها ، كما أن الفرز الذي حصل بين جماعات مسلحة حملت السلاح بدافع الضيم أو سوء فهم أو نتيجة اجتهاد خاطئ وبين جماعات أخرى حملت السلاح لتقتل وتسرق وتخطف وتسبي …هذا الفرز برزت ملامحه بصفة رسمية سنة 1995 في عهد زروال عن طريق اتصالات مع المسلحين في الجبال توجت باتفاق الهدنة مع جماعة الجيش الإسلامي للإنقاذ سنة 1997 وهو الأمر الذي ساهم في حل المعضلة الأمنية ورفع الغطاء عن الكثيرين ، كما أن نية بعض القيادات في الجيش كانت واضحة في الحل السلمي، من خلال تحييد الجماعات التي لم تصعد للجبال بهدف القتل والسفك ،ولم ترتكب جرائم كبرى ، وهو الأمر الذي ساعد على حل المشكلة ، بوتفليقة جاء إلى السلطة في وقت حسمت فيه الكثير من الأمور، وما تم من استقرار بعدها هو تحصيل حاصل فحسب ، نتيجة منطقية لتآكل مشروع وجد ليضمحل تدريجيا لأنه يحمل بذور الفناء ، بمعنى جاء في سياق عد تنازلي للجماعات المسلحة ، تستطيع أن تقول أن بوتفليقة جاء في آخر المشهد ، فأعطي شرف البطولة وقطف الثمار رغم انه لم تكن له يد في صناعتها ، طبعا هذا لا يلغي دور بوتفليقة بالكامل من خلال الكاريزما التي يملكها واستخدامه كواجهة سياسية مقبولة لتسويق سياسة الوئام والمصالحة ، ولكن جعل الاستقرار الأمني الذي حصل في عهده هو نتيجة لسياسته هو إجحاف في حق الكثيرين ومغالطة كبرى ، كما أن الفتنة لا يتحمل وزرها شخص واحد فان عودة الأمن والاستقرار لا يمكن أن ينسب لشخص واحد
    – تخلص الجزائر من المديونية : عوض أن تشكر بوتفليقة احمد لله على نعمة البترول ، من المؤسف أن تعتبر سداد الديون انجازا وطنيا ولم تسال نفسك من أين سددنا الديون وما هي قيمة اقتصادنا من غير أموال البترول
    يا أخي يكثر خير دراهم البترول …ضع أموال البترول جانبا ، وستجد اقتصاد الجزائر يساوي صفر ..بوتفليقة محظوظ عندما تسلم السلطة كانت أسعار البترول في حدود 16 و14 دولار ، ارتفعت الأسعار خلال فترة ولاية بوتفليقة تدريجيا ولم تنزل عن حدود 100 دولار إلا قليلا وعليك حساب الفرق ، طبعا الفرق يسمح لنا بتسديد ديوننا وديون جميع الدول الإفريقية وربما العالم اجمع ، بوتفليقة لم يأت بالأموال من جيبه حتى يُعزى إليه الفضل في تسديد الديون الخارجية ، هو لم ينشئ مؤسسات قوية منتجة تدر علينا العملة الصعبة ، هو سدد الديون من أموال البترول ولولا البترول لما سددها ، هذه حقيقة لا ينكرها حتى بوتفليقة نفسه ، يا سيدي بوتفليقة فشل حتى في بناء مستشفى محترم يعالج فيه هو نفسه ….

    • -1
  • تعليق 5278

    التهامي سفيان

    الأستاذ :سحنون أشكركم على ردكم الذي يحمل بين ثناياه مدى الروح التقبلية لكل الانتقادات عبر التعاليق التي تطال مقالاتكم ،وإذ أحيي فيكم هذا السلوك الراقي، والأسلوب المميز في التعامل مع كل التعاليق، فهذا لايعني أنني أشاطركم الطرح في تحليل القضايا، ومعالجتها ولكل وجهة نظر معينة .

    • 0

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.