زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

انعدام ثقافة الحوار المجتمعي في الجزائر

انعدام ثقافة الحوار المجتمعي في الجزائر ح.م

يعتبر الحوار المجتمعي في المجتمعات الراقية والمتحضرة، أحد الآليات المجتمعية الرئيسية المتبعة لحل الكثير من المشاكل التي يعاني منها الفرد في محيطه الاجتماعي، وهو من الأساليب المهمة في تلك البلدان التي تعتبر إشراك العنصر البشري في حل مشاكله التي يعاني منها ضرورة حتمية لا مناص منها، إذ أن هناك الكثير من جمعيات المجتمع المدني التي تقعد ندواتها ولقاءاتها بصفة دورية وتكون في العادة مفتوحة لمختلف الشرائح الاجتماعية، وذلك من أجل مناقشة القضايا العامة التي تخص المواطنين في تلك الدول، وأخذ مقترحاتهم وتوصياتهم بعين الاعتبار ورفعها إلى الجهات الوصية، لمناقشتها بشكل أعمق واستخلاص الحلول للكثير من المشاكل التي تعيشها الدول الغربية..

بالإضافة إلى أن هذه الجمعيات التي تسعى إلى غرس روح التكافل والحوار والتسامح والتعاون بين أفراد المجتمع، تقوم بتنفيذ وإنجاز الكثير من الأعمال التشاركية لصالح المواطنين، وجعلهم جزء لا يتجزأ بالتالي من عملية التنمية الشاملة في البلاد، عن طريق تقديم مساعدات مادية ومعنوية لهم، وتشجيعهم واستغلال طاقاتهم في العمل الجماعي التطوعي الذي يعتبر أحد الركائز الأساسية التي تبنى عليها المجتمعات المتطورة في تلك الدول.
فإذا كان الحوار أحد الأساليب الحضارية والأخلاقية والإنسانية الراقية من أجل إيجاد حلول ناجعة لمختلف مشاكل الحياة، ونبذ الخلاف والفرقة، ووسيلة مهمة لتفاهم والتواصل والتلاقي الفكري والاجتماعي والمصلحي لخدمة أهداف عامة مشتركة، كما يرى ذلك الأستاذ مولاي أحمد حبرشيد، وإذا كان يعتبر في الغرب أحد أهم الفواعل المجتمعية التي تؤدي إلى إقامة النظام الديمقراطي والمجتمع المنفتح والمتنوع، فإنه يعتبر في الجزائر ثقافة شبه منعدمة من الأساس، بل وقد يراه البعض عبارة عن مضيعة للوقت والجهد، ووسيلة لربح الوقت وتحقيق المكاسب الشخصية، على حساب المصالح العليا للمجتمع، فالأخر المختلف عنا حضارياً أو ثقافياً أو هواياتياً أو أثنياً، بدل أن نحاوره ونحاول إقامة جسور ونقاط عبور إلى ضفته الفكرية الأخرى، ومناقشته ومحاورته من أجل فهمه، وتقريب وجهات النظر معه حول القضايا الوطنية المطروحة للنقاش، نلجأ بدل ذلك أو بعبارة أدق تلجأ السُّلطة والنخب وقيادات الأحزاب والمجتمع المدني في الجزائر، إلاَّ فيما ندر إلى استعمال أساليب التحقير والتخوين والاستعلاء اللغوي أو القيمي أو المعرفي أو المناطقي، وإغلاق باب الحوار في وجوه، كل المخالفين لأطروحات هؤلاء أو نظرتهم الآنية اللحظية، للمشاكل التي يتخبط فيها المجتمع الجزائري على جميع الأصعدة والمستويات، وذلك يكون في الأغلب الأعم نتيجة فوبيا ذاتية لدى لهؤلاء، من أن الانفتاح على الأخر المختلف ومحاورته، يعتبر خيانة للقيم والمبادئ التي تربى ونشأ عليها الكثير ممن يرفضون لغة الحوار المجتمعي، ويحاربون كل من يدعو إليها، ويحملون المخالفين لهم في العقيدة أو في التوجه الديني أو السِّياسي، أوزار الماضي وأثقال الحاضر، ومسارات المستقبل.

تلجأ السُّلطة والنخب وقيادات الأحزاب والمجتمع المدني في الجزائر، إلاَّ فيما ندر إلى استعمال أساليب التحقير والتخوين والاستعلاء اللغوي أو القيمي أو المعرفي أو المناطقي، وإغلاق باب الحوار في وجوه، كل المخالفين لأطروحات هؤلاء أو نظرتهم الآنية اللحظية، للمشاكل التي يتخبط فيها المجتمع الجزائري على جميع الأصعدة والمستويات، وذلك يكون في الأغلب الأعم نتيجة فوبيا ذاتية لدى لهؤلاء، من أن الانفتاح على الأخر المختلف ومحاورته..

فإذا كان علماء الاجتماع القدامى أو المعاصرين، أمثال ابن خلدون أو أيميل دوركايم، أو ليفي برول، أو ريتشارد سينيه، أو بيار بورديو أو غيرهم، يؤكدون على أهمية قنوات الحوار المجتمعي، في تجنب المجتمعات ما يسمى بالانفجار المجتمعي، وهذا ما حدث بالضبط خلال ثورات الربيع العربي سنة 2011م في الكثير من الدول العربية، إذ أن السلطات في تلك الدول، لم تكن لها مخرجات ديناميكية، للمشاكل المطروحة للنقاش سواء على المستوى الاقتصادي أو الثقافي أو السِّياسي أو المجتمعي…الخ، لأنها منعت مدخلات الحوار المجتمعي من أن تتطور في بيئتها الطبيعية، وجعلت من جمعيات المجتمع المدني التي تلعب دوراً لا غنى عنه في الغرب باعتبارها صمام أمان يمتص مختلف الصدمات المجتمعية، الناتجة عن حالات الاحتقان الجماعي لكثير من شرائح المجتمع نتيجة عوامل قد تكون نفسية أو مادية، عبارة عن تابع لها ومنفذ لسياساتها وبرامجه وأداة لتعبئة الجماهيرية في أوقات الذروة الانتخابية..
فغياب ثقافة الحوار المجتمعي الفعال في الجزائر هي التي أوصلنا إلى هذه الحالة الصعبة جداً، وأخرجت الكثير من الفئات الاجتماعية عن طورها، فلجأت إلى احتلال الشوارع والسَّاحات العامة، كرد فعل سوسيولوجي مفهوم ومبرر على تجاهل السلطات، أو أنا الآخر بتعبير علم النفس الإكلينيكي، لمطالبهم المادية والذاتية المحقة، فالحوار المجتمعي بكل مكوناته المنهجية، وتأصيلاته الفكرية وأسسه العلمية يجب أن يكون أحد الدروس الرئيسية في المقررات والمناهج المدرسية لمختلف الفئات التعليمية، وأن يتم تبنيه من طرف الجهات الوصية كإستراتيجية طويلة الأمد، وثقافة مجتمعية وممارسة حضارية راقية، لتجنيب المجتمع الجزائري، عواقب الجمود والانغلاق على الذات، ورفض الأخر وإقصائه وتهميشه لأي سبب من الأسباب، وعلى جمعيات المجتمع المدني أن تلعب الدور الأكبر في ذلك، لأنها تعتبر عنصراً وظيفياً وأداة اجتماعية مهمة في تفعيل الحوار المجتمعي بين مختلف أطياف المجتمع، وتقريب وجهات النظر بين الأضداد المختلفة في نهاية المطاف.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.