زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

النخب ودورها..

النخب ودورها.. ح.م

المعروف أن النخب هي مرآة المجتمع وصورته من حيث التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والسياسي، ولما لها من تأثير كبير في الأوساط الاجتماعية سلبا وإيجابا، كما هي نموذجه في دروب الفعالية الاجتماعية وتحقيق التطور في جميع المجالات من رفاهية اقتصادية واكتفاء ذاتي وتطور علمي وسياسي يواكب هذه المراحل في توازن، محققا النجاح المرجو والمخطط له.

وهذا ما نجده لدى كثير من النخب العالمية في جميع الدول فهي التي تسعى من أجل دمقرطة الحياة السياسية وهي التي تدفع ثمن محاربتها الاستبداد والدكتاتورية من قتل وتشريد وسجن، وهي المحرك الرئيس في المجتمع من حيث مجابهة السلطة من أجل تحقيق مكتسبات سياسية أو اجتماعية، كما لها حركية ثقافية واسعة من أجل تثقيف المجتمع وتطوره والأخذ بيده من أجل تنظيم نفسه في مؤسسات اجتماعية فاعلة ودؤوبة في خدمة الشعب والدولة.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هل حقا نخبنا كذلك؟
الإجابة مع الأسف الشديد، نعم هي ليست كذلك ولا يمكن أن تكون غير ذلك، لسبب بسيط جدا لأنها أولا اختارت حضن السلطة الحاكمة بعيدا عن حضن الشعب، بمعنى اختارت الطرف القوي من حيث القوة المادية أو المالية دون الشعب المعدم والفقير الذي لا يزيد النخب الا فقرا وبؤسا ومشاكل لا حصر لها مع السلطة الحاكمة في حال مواجهتهم لها.
هذا التغييب أثر سلبا على تكوين المجتمع وأخر كذلك من تطور الدولة، الرابح الوحيد في كل ذلك هم فئة العملاء وأصحاب المال والنفوذ وغيرهم من بارونات المال والنخب المزيفة، التي تدعي الوطنية والدفاع عن الشعب وهي في الحقيقة تقتات من موائد هؤلاء اللئام أعداء الشعب والوطن والدولة.
النخب حينما كانت نخبا حقا دافعت عن الشعب الجزائري في مواجهة الاستعمار وإداراته كما سعت إلى تعليمه وتثقيفه إلى اليوم المشهود، فكانت لها ما أرادت وكانت قائدته في ثورته العظيمة حتى النصر استشهد من استشهد وبقي من بقي في خدمة الشعب وبناء مؤسسات الدولة الفتية في إخلاص وتفان.
الإنحراف وقع حينما تغولت السلطة وأدارت ظهرها لرجالها الوطنيين المخلصين المشهود لهم بالنزاهة ورجاحة العقل، وسجن تشريد آخرين من أمثال بوضياف وآيت أحمد ورجال جمعية علماء المسلمين كالبشير الابراهيمي، وشاعر الثورة مفدي زكريا وغيرهم، والصراع على المناصب والزعامة، هذا الخيار دمر كل ما بناه وقدمه الشعب الجزائري من تضحيات في سبيل سيادة الجزائر واستقلالها، هذا الأخير كان دائما سببا من أسباب فشل الدولة الجزائرية في تحقيق تكاملها وتوازنها بل بقيت دائما تبحث عن شرعيتها المفقودة وعن السند الشعبي، الذي ما تخلى عنها أبدا رغم المحن وقساوة الظروف والاستعمار.
طوال هذه السنين والنخب منقسمة على نفسها، منها من بقيت مساندة وخادمة للسلطة خوفا وطمعا، وفئة أخرى اختارت الوقوف مع الشعب المعدم ومطالبه الاجتماعية والسياسية، فدفعت ثمن ذلك غاليا إلى اليوم في نفسها أو قوتها، ومما زادها حنقا ومأساة ادعاء نخب مفلسة وعميلة للوطنية ودفاعها عن الشعب الجزائري، في حين هي تخدم مصالحها ومصالح من اختارها لخدمة مشاريعه داخليا وخارجيا، وهذا ما زاد في الهوّة بين الشعب وسلطته، وأضعف الدولة وعرّضها للمساومة ورهان قرارها السياسي والاقتصادي ولا حول ولا قوة لها، بل تعيش هاجسا أمنيا عويصا داخليا وخارجيا ينذر بذهابها كما حصل عند جيرانها بسبب الضعف والاستكانة والاستبداد والديكتاتورية.

إن نخبنا مغيبة إراديا بمحض إرادتها وهي تعيش يومياتها كالعامة، وفي نفس الوقت هي مغيبة بفعل السلطة لتحجيم دورها ودرء مخاطر تحركاتها حولها لأنها تدرك قيمتها وقوة قدراتها في تحريك الشارع والمجتمع ضدها وهي قد خبرت ذلك..

ما بالك ونحن نعيش هذه الأزمة العويصة من شح في الموارد وشح كبير من النخب الوطنية المخلصة التي ارتهنها المال الخبيث والسياسة الحمقاء وابتلعها برلمان “الحفافات” كما يحلو للسيد بوعقبة تسميته، والأحزاب المناسباتية التي لا يسمع ضجيجها إلا مع قروب موعد الانتخابات، التي هي عنوان للمغانم والمكاسب وتحقيق الرفاهية وعلو المكانة وتوسيع وتنويع مصادر “المعريفة”، أما الشعب وتحقيق أماله وطموحاته من الحكم والديمقرطية والعيش الكريم فهو مجرد هرطقة نسوية في حمام شعبي ساخن.
نعم إن نخبنا مغيبة إراديا بمحض إرادتها وهي تعيش يومياتها كالعامة، وفي نفس الوقت هي مغيبة بفعل السلطة لتحجيم دورها ودرء مخاطر تحركاتها حولها لأنها تدرك قيمتها وقوة قدراتها في تحريك الشارع والمجتمع ضدها وهي قد خبرت ذلك.
ليعلم الجميع نخبا وأحزابا وشعبا وسلطة حاكمة أننا لا نلعب لعبة ينتهي أمرها وفقط، بل نحن أمام معضلة حقيقية تتعلق بمصير بلد بأكمله، لا يمكن لأحد مهما كانت قدراته مواجهتها بمفرده خاصة السلطة لأنها بحاجة ماسة لهذا الشعب وهو حاميها الأول وسندها الدائم الذي لا يمكن الاستغناء عنه مهما كانت الظروف، لذا يجب على السلطة أن تتخلى عن فرعونيتها في الخطاب مع الشعب وعدم استصغاره كما يفعل الكثير من المسؤولين والوزراء وحتى صغار المسؤولين، هذا الخطاب المستفز والإحتقاري الذي يولد غضبا ويحرك الشوارع كل يوم دون مراعاة للعواقب، وهذا ملاحظ بشكل يومي في خرجات وتصريحات غالبية المسؤولين من مستشارين في الرئاسة أو وزراء ومسيرين وولاة، وعدم إشراك هذه النخب الكفأة في المشاورات سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو تقنية، قد يفشل المشاريع ويعزز نسب الفشل فيها.
وهذا ما يعرض الدولة إلى النقد والتشهير بالعجز والإفلاس وسوء الإدارة، مما يقلب الرأي العام عليها وتسوء الأحوال جراء ذلك، كما أن على الأحزاب أن لا تمارس المعارضة من أجل أن يقال هناك معارضة، بل يجب أن تكون بناءة وفي خدمة الشعب والدولة معا، مع مراعاة الاستخدام الحسن للخطاب السياسي والأمني حفاظا على الاستقرار ومنع وصد كل تدخل أجنبي في القضايا الداخلية، هذا السلوك المتبادل والمعتدل الديمقراطي، والمعترف بمكانة وقيمة الآخر، كفيل بسد كل الخلافات والشحناء ويقوي الروابط ويحسن من الاتصال من أجل سلطة موحدة وبناءة، ومن أجل جزائر قوية بشعبها ونخب تخدم الشعب وتنمي قدراته وتعمل على بناء الدولة ومؤسساتها والحفاظ على السيادة واستقلال القرار وفق ما تراه المصلحة الوطنية وفقط.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.