زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

اللغة العربية والعلوم السياسية

فيسبوك القراءة من المصدر
اللغة العربية والعلوم السياسية ح.م

نشأ علم السياسة في شكله الحديث في الغرب، وقد انعكس ذلك على مفردات المعجم السياسي العربي المستخدمة في هذا الحقل المعرفي تدريسا وبحثا. وأكثر المصطلحات المتداولة اليوم هي ترجمات للمفردات المولّدة في اللغات الأروبية التي تَشكل علم السياسة المعاصر ضمن قوالبها اللغوية، مع امتدادات اشتقاقية إلى الإغريقية واللاتينية.

بسبب غياب معجم موحد، نجد في حالات كثيرة اختلافا في تحديد الكلمة العربية المقابلة للمصطلح الأجنبي الأصلي، فقد لا تسعف القواميس الباحث في العثور على المفردة الأقرب للفظ الأجنبي (حسب معناه في الاستخدام)، وقد تكون اختياراته غير ملائمة بسبب فاقته اللغوية…

وبسبب غياب معجم موحد، نجد في حالات كثيرة اختلافا في تحديد الكلمة العربية المقابلة للمصطلح الأجنبي الأصلي، فقد لا تسعف القواميس الباحث في العثور على المفردة الأقرب للفظ الأجنبي (حسب معناه في الاستخدام)، وقد تكون اختياراته غير ملائمة بسبب فاقته اللغوية، وقد يعتمد مفردة شائعة في حقول معرفية أخرى، لكنها لا تحمل الدلالات ذاتها في الدراسة السياسية. وفي حالات كثيرة، قد تشوه المفردة المختارة المعنى الكامن في اللفظ الأصلي، أو توصله إلى القارئ العربي منقوصا من دلالاته العميقة.

هذه المشكلات تمثل عقبة جدية في سبيل التحصيل العلمي للطالب المبتدئ خاصة، فهو يظل مستحضرا معاني المفردات التي ألف استخدامها في سياقاتها اللغوية الشائعة خارج إطار التخصص المستجد. وفي حال لم ينجح الأستاذ في إيصال المعنى المراد من المصطلح، ستبقى الفكرة مبهمة وغامضة، وقد يكون ذلك سببا في تشوه معرفي دائم.

أنظر مثلا إلى أكبر محور ضمن مواضيع علم السياسة: الدولة. يستخدم لفظ “الدولة” مقابلا لكلمتي “State” و”Etat” في الانجليزية والفرنسية، وهما مفردتان تحملان من بين دلالات كثيرة معنى الجمود والسكون، بينما تحفل المفردة العربية بالحركة والتغير، وهو الأمر الذي يؤثر في صورتنا الذهنية لفكرة الدولة، ويجعل بعض مباحث هذا الموضوع غامضة وعصية على الفهم.

إن تحديث المعجم السياسي العربي ضرورة معرفية ملحّة، وهو مشروع يحتاج إلى تظافر جهود أهل التخصص واللغويين والمترجمين. ولكن قبل ذلك، يلزمنا جهد أكبر لتعميق معرفتنا باللغة العربية، وباللغات الأجنبية على حد سواء.

أما مطلح “النظام السياسي” كمقابل لـ “Système politique” فقد أنتج لدى العامة تلك الفكرة الغريبة: “النظام خير من الفوضى”، والتي تطلق في كل مرة يتعرض فيها “النظام” للنقد، أو تثور الجماهير ضد الممارسات الفاسدة داخله. والواقع أن هذا الشعار خاطئ ابتداء، فالنظام من حيث هو مرادف لـ Ordre شيء، ومن حيث هو مقابل لـ Système شيء آخر. والمؤسف أن المشتغلين بالتخصص آثروا مفردة “نظام” هذه على “منتظم” التي اقترحها بعضهم قبل وقت طويل، لكنها لم تلق الرواج الكافي.

وكمثال آخر، تستخدم كلمة “الأمة” في الحديث العام مرتبطة بمعناها القرآني، وهو معنى غير سياسي، ومستقل عن مفهوم الدولة، ولذلك يميل بعض الدارسين إلى أنه لا وجود لمقابل لـ “الأمة” في اللغات الأروبية، ولذلك يبقونها كما هي: “Oumma” أو “Ummat”. أما “Nation” فهو مصطلح أقرب إلى مفهوم “الشعب”، مع محتوى سياسي واضح. وعند محاولة نقل فكرة l’Etat-nation إلى الطالب المبتدئ أو القارئ العادي على أنها الدولة-الأمة، سيثير ذلك في ذهنه إشكالات كثيرة. وحتى مصطلح “الدولة القومية” يعجز عن نقل المعنى (أو المعاني) التي يحملها اللفظ الأجنبي، خاصة إذا رسخ لدى الطالب (كما في الجزائر) أن القومية تعني من غير تفكير النزعة الوحدوية العربية كما هي في أدبيات حزب البعث.

إن تحديث المعجم السياسي العربي ضرورة معرفية ملحّة، وهو مشروع يحتاج إلى تظافر جهود أهل التخصص واللغويين والمترجمين. ولكن قبل ذلك، يلزمنا جهد أكبر لتعميق معرفتنا باللغة العربية، وباللغات الأجنبية على حد سواء.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.