هنا مقال لخبير جزائري في الرياضيات، يحكي فيه قصة عالم الرياضيات الفرنسي "روجي غودمان"، الذي رحل في جويلية الفارط فقط. هذا الرجل الذي أحب الجزائر وأصر على التدريس فيها العام 1963 تاركا وراءه جامعة السربون العريقة، في وقت كانت تتعرض لـ"مؤامرة" من الاستعمار المطرود، استهدفت تفريغها من المعلّمين والإطارات الفرنسيين، لتكسيرها وهي تخطو خطواتها الأولى.
ويُظهر أستاذ الرياضيات بالمدرسة العليا بالعصامة، أبو بكر خالد سعدالله، لوزيرة التربية نورية بن غبريط، كيف حثّ هذا العالِم في الرياضيات طلبته أن لا يطالعوا كتبه في الرياضيات بالفرنسية فقط، بل بالإنجليزية والروسية والألمانية للتعمّق أكثر، وكان ينتقد تقوقع المؤسسات العلمية الفرنسية، فيما تصر الوزيرة على أن تدرّس الموادّ العلمية بهذه اللغة (الفرنسية).. !
وفي المقال المنشور في يومية “الشروق“، قصص ومقولات رائعة لهذا الرياضياتي الفرنسي الفريد من نوعه، وفيما يلي المقال كاملا:
رحل عالم الرياضيات الفرنسي روجيه غودمان Roger Godement يوم 21 جويلية 2016. ويعتبر هذا العالم من أبرع محرري كتب الرياضيات. وقد عُرف -إضافة إلى علمه الواسع وأبحاثه في مجال تخصصه الدقيق- بمواقفه المؤيدة لاستقلال الجزائر والمناهضة للتسلح. وما يهمنا هنا هو رؤيته لسياسة بلده حيال الجزائر.
كان يحث الطلبة دائما خلال دروسه وفي كتبه على الاطلاع على مؤلفات بالإنكليزية والروسية والألمانية. وكان يحيلهم إلى كتب من هذا القبيل تتميز بالعمق والصعوبة. وكان ينهيهم عن الاكتفاء بما يرد في بعض المطبوعات غير المكتملة، وينتقد بشدة تقوقع المؤسسات العلمية الفرنسية
بعد أن أنهى دراسته الثانوية التحق بكلية المعلمين العليا بباريس عام 1940، وحصل على شهادة التبريز عام 1943، ثم الدكتوراه عام 1946. ثم التحق بسلك التدريس بجامعة نانسي Nancy حتى منتصف الخمسينيات. وبعدها انتقل إلى جامعة السوربون وظل يدرّس بباريس حتى أحيل على المعاش سنة 1990. وفي تلك الأثناء كانت له عدة زيارات لجامعات ومراكز بحث أمريكية، مثل جامعة برينستون Princeton وبركلي Berkeley. نشر غودمان ثمانية كتب جامعية قيّمة خلال الفترة 1958-2003 تعتبر كلها مراجع هامة في الرياضيات، ولعل أبرزها كتاب يقع في أزيد من 650 صفحة عنوانه “دروس في الجبر” ألّفه عام 1962 وترجم إلى الإنكليزية وإلى العربية في الجزائر.
لم يكن غودمان مدرّسا متميزا بسبب صوته المتلعثم، لكن مضمون محاضراته كان قيما. وعلى الرغم من أن كتبه ألفت بالفرنسية، ثم ترجمت بصفة خاصة إلى الانكليزية، فإنه كان يحث الطلبة دائما خلال دروسه وفي كتبه على الاطلاع على مؤلفات بالإنكليزية والروسية والألمانية. وكان يحيلهم إلى كتب من هذا القبيل تتميز بالعمق والصعوبة. وكان ينهيهم عن الاكتفاء بما يرد في بعض المطبوعات غير المكتملة، وينتقد بشدة تقوقع المؤسسات العلمية الفرنسية.
كان غودمان يُعرف بالتزامه السياسي؛ وفي هذا السياق يُروى أنه كان يسعى دائما خلال إلقاء محاضراته إلى إبداء آرائه فيما يجري عبر العالم. فعلى سبيل المثال، كان خلال حرب الفيتنام يستهل محاضراته في الجبر بالقول: “دعنا نتذكر عملية الجمع”… ثم يقيم جدولا إحصائيا يُظهر عدد القتلى أثناء معارك هذه الحرب.
ومما لا شك فيه أن غودمان كان جدّ حذر من رجال السياسة. ويتجلى ذلك من الفقرة التالية التي نجدها في مقدمة كتابه “دروس في الجبر”: “قد أثير لدى البعض مشاعر الغضب والاشمئزاز عندما أقول إني لا أتفق إطلاقا مع العديد من الشخصيات الذين يطلبون الآن من العلميين عامة، والرياضيين خاصة، تكوين الآلاف من التقنيين الذين يبدو أننا في أشدّ الحاجة إليهم للتمكّن من العيش … وعلى العكس من ذلك، ونظرا للوضعية السائدة في الدول المتقدّمة علميا وتقنيا نرى أن الواجب الأول الملقى على عاتق علماء الرياضيات وعلى عاتق علماء آخرين هو أن يوفّروا ما لم يُطلب منهم! ونقصد بهذا تكوين أناسا قادرين على التفكير بأنفسهم … يحسنون كشف الحجج الواهية والألفاظ المشبوهة … أناس يعتقدون أن نشر الحقيقة أهم من كل شيء … أناس أحرار ليسوا آليين في خدمة التكنوقراطيين …”!
عُرف غودمان خلال ثورة التحرير بموقفه الصريح المناهض للاستعمار وللحرب التي كانت تشنها فرنسا ضد بلادنا، بل نادى آنذاك باستقلال الجزائر. وقد قرّر غودمان التدريس في جامعة الجزائر سنة 1963-1964 لمساعدة هذه الجامعة التي فرّ منها طاقمها الفرنسي، وكانت تفتقر إلى الأساتذة، وبصفة خاصة أساتذة الرياضيات. وقام عندئذ بتأليف كتاب من جزءين أهداه حصريًا إلى الاتحاد العام للطلبة الجزائريين الذي قام بطبعه عام 1964.
قرّر غودمان التدريس في جامعة الجزائر سنة 1963-1964 لمساعدة هذه الجامعة التي فرّ منها طاقمها الفرنسي، وكانت تفتقر إلى الأساتذة، وبصفة خاصة أساتذة الرياضيات. وقام عندئذ بتأليف كتاب من جزءين أهداه حصريًا إلى الاتحاد العام للطلبة الجزائريين الذي قام بطبعه عام 1964.
وعندما كان غودمان أستاذا بجامعة السوربون عام 1958 كان من بين طلبته جزائري، يدعى محمد رزوق (أطال الله عمره) يعمل في الخفاء مناضلا ومجندا للجزائريين هناك للانضمام إلى صفوف الثورة. وكان رزوق من مؤسسي اتحاد الطلبة الجزائريين المعروف. ألقي عليه القبض في فرنسا وسُجن أزيد من سنة. وعندما سمع غودمان بسجنه بعث إلى مدير السجن الفرنسي رسالة مطولة يوم 27 أكتوبر 1958 يطلب منه فيها بأن يسمح للسجين بالحصول على الكتب والمحاضرات وبإمكانية إرسال حلول المسائل والفروض إلى أساتذته بالجامعة.
ويضيف غودمان مخاطبًا مدير السجن : “إذا ما خشيتم أن تكون في هذه الاتصالات مراسلات خاصة تصدر عنها مناشير غير مرخص بها فإني مستعد أن أتحمل المسؤولية شخصيا، وأن أحمل له بنفسي الكتب والمحاضرات، وأن ألزمه بأن يوجه إلى عنواني الشخصي ما يريد توجيهه إلى الجامعة، والتأكد من أن محتويات تلك الإرساليات لا تشمل سوى مضمون تقني في موضوع الرياضيات”!
نشير إلى أن عالم الرياضيات الفرنسي لورنت شوارتز Laurent Schwartz (1915-2002) المعروف بمناهضته للاستعمار وبحصوله على ميدالية فيلدز قد عدّد في مذكراته الصادرة عام 1997 خمسة أساتذة من قسم الرياضيات في جامعة السوربون -نجد من بينهم غودمان- كانوا لا يتركون فرصة تمر خلال ثورة التحرير في اجتماعاتهم بالجامعة دون إصدار لائحة تنديد بالحرب أو التعذيب الذي يمارسه الاستعمار في الجزائر. وفي الأخير صاروا يطالبون باستقلال الجزائر جهرة. تجدر الإشارة إلى أن شوارتز أُقيل من منصبه كأستاذ جامعي من قبل وزير الدفاع الفرنسي آنذاك بسبب توقيعه على رسالة تطالب باستقلال الجزائر.
في الدرس الخاص بالمكممات المنطقية ارتأى غودمان أن يوضح إحدى النقاط بعرض المثال التالي : “إذا كان القول (كل سكان القصبة بالجزائر خضعوا للتعذيب عام 1957) قولا خاطئا فهذا لا يعني أن القول (ليس هناك من سكان القصبة بالجزائر من عُذِّب عام 1957) قولا صحيحا”.
وفي قائمة التمارين حول المنطق الرياضي، وبعد أن عرّف غودمان مفهوم “الانسجام المنطقي” فضل أن يأتي بهذا التمرين: لقد قدم النص الموالي بالفرنسية، المستخرج من إعلان الجنرال سالان Salan خلال محاكمته : “بالاتفاق التام مع السيد روبرت لاكوست، الوزير المقيم بالجزائر، أوكلنا مسؤولية استعادة السلم والأمن في الجزائر لفرقة المظليين العاشرة. هذه الوحدة (العسكرية) ربحت معركة الجزائر خلال 3 أشهر دون إطلاق رصاصة واحدة بالرشاشات الثقيلة وبدون أن ترش طائرة واحدة القصبة بالرصاص.”
كان من بين طلبته جزائري، يدعى محمد رزوق (أطال الله عمره) يعمل في الخفاء مناضلا ومجندا للجزائريين هناك للانضمام إلى صفوف الثورة. ألقي عليه القبض في فرنسا وسُجن أزيد من سنة. وعندما سمع غودمان بسجنه بعث إلى مدير السجن الفرنسي رسالة يطلب منه أن يسمح للسجين بالحصول على الكتب والمحاضرات وبإمكانية إرسال حلول المسائل والفروض إلى أساتذته بالجامعة.
ثم أضاف النص التالي باللغة الأنكليزية (دون ترجمته) الذي كتبه إدوارد بهرE. Behr، مراسل “التايم” Time في الجزائر، والذي ورد في كتاب “القضية الجزائرية” Algerian problem الصادر في نيويورك عام 1961 “كانت النتيجة أن معركة الجزائر أصبحت بالنسبة للمظليين الذين قاتلوا فيها، وبالنسبة لفرنسا نفسها، نصرا باهظ الثمن: تشير التقديرات إلى أنه من أصل مجموع 80 ألف ساكن في القصبة، تعرّض ما بين 30% و 40% من هؤلاء السكان الذكور النشطين، في مرحلة من مراحل معركة الجزائر، إلى الاعتقال والاستنطاق. والاستنطاق أدى إلى ممارسة التعذيب كأداة أساسية لتوفير الوقت والحصول على نتائج سريعة.”
وبعد ذلك طرح غودمان سؤال التمرين، وهو: هل هذان النصان منسجمان؟
وروجيه غودمان ليس هذا فحسب… بل خاض كفاحا عسيرا حتى رحيله ضد ضلوع الرياضيات والباحثين في تطوير الأسلحة المدمرة. ولذلك كله من حقه على الجزائر وعلى “محبي السلام” أن يقفوا له وقفة عرفان وإجلال.
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.