زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

الشُّعراء الألمان وسحر الرّواية العربية

الشُّعراء الألمان وسحر الرّواية العربية ح.م

الشاعر الألماني غوتة من أبز المتأثرين بالعرب والإسلام

عناوين فرعية

  • ما أقصر طريق العُشّاق إلى بغداد

 إذا أردنا البحث في تأثير الرّواية العربية على الآداب الأوربية فلا بُدَّ أن نرجع إلى القرون الأولى للإسلام، يوم بدأ الاتصال الأوّل للقارة الأوربية بالحضارة الإسلامية بوصول العرب إلى الجنوب الغربي والجنوب الشّرقي من القارَّة الأوربيّة، ثمّ نعرّج بعد ذلك على الاتصال الثّاني الّذي تمَّ بتوغّل الأوربّيين في قلب العالم الإسلامي مع بداية القرن الحادي عشر وتأسيسهم للممالك الصّليبية في بيت المقدس والشّريط السّاحلي لبلاد الشّام، فمنذ ذلك الوقت بدأت محتويات وأشكال الآداب العربيّة تنفذ وتتغلغلُ إلى أغاني الشّعراء والشّعر الملحمي الأوربي بفضل أولئك المغنّين المتجوّلين (تروبادور).

إنّنا ندرك اليوم جيّدا أنّ العديد من أعمال “فولفرام فون إيشنباكس” تحوي الكثير من الشّعر الحماسي العربي وأنَّ “هاينريش فراون لوب” أعاد استخدام قصص ألف ليلة وليلة الخيالية في أعماله التي تروي – ومنذ فترة الحروب الصّليبية – روائع وبشكلٍ عجيب في الأغاني الحماسية لأولئك الشّعراء المغنّين، أين يجد المرء لذّة ومتعة مثيرتين وعجيبتين تزخر بألوان من مواضيع ودوافع ومنابع للسّرد والرّواية، وكأنّنا نلتقي من أوّل وهلة بمخطوطات القرون الأولى للآداب العربية.

إنّ ممّا نعلمه أن “غوته” كان متأثّرا كثيرا بشخص الرّسول الكريم محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، بل نعلم أكثر أنّه بلغ من شغفه به أن ألّف مسرحية وهو في 23 من عمره عارض بها العمل المسيء للرّسول الكريم الّذي قام به “فولتير”،

غير أنّ الحق الّذي يجب أن يُقال، أنّ مثل هذه الأفكار والوقائع لم يعرف الضّمير الجمعي الغربي يوما مصدرها ولم يقرَّ بأنَّها من إنتاج عقلٍ غير عقله وروح غير روحه.. فالألمان كغيرهم من المجتمعات الأوربية وباستثناء الإسبان، عملوا على إخفاء كلَّ فضلٍ للثقافة العربية وتنكّروا لجميلها.. فالغرب المسيحي – كما هو يعرّف نفسه دائما – بقي دائما معترضا على الاعتراف بأثر الثّقافة والرُّوح الإسلامية على ثقافته.

ومع ذلك فهناك استثناءات كثيرة تسترعي إنتباهنا والوقوف أمامها: يجب علينا أوّلا أن نحتفي بالفيلسوف “يوهان غوت فريد فون هردر”، والذي رغم تكوينه الدّيني الإنجيلي إلاّ أنّه كتب سنة 1778 بإنصافٍ وحياد ونوعٍ من الشّجاعة النّادرة وباعتباره مؤرّخا ثقافيا في مقالٍ له بعنوان “حول أثر فنّ الشّعر على أخلاق الشّعوب في الأزمان الغابرة والحديثة” قائلا “عندما تدفّق العرب إلى جزءٍ من أوربا وبقوا هنالك قرونا عديدة، فإنّهم لم يتركوا أثرا أهمَّ من شعرهم وعلمهم، غير أنَّ شعرهم  كان له من الأثر البليغ علينا ربّما أكثر من علومهم، والّذي سنبقى ممنونين لهم به”.

لقد حصّلت أوربا فنّا رفيعًا غنيا بالرّوائع والمغامرات والدّين والشّرف والحبّ، والّذي استمر يزدرِعُ من الجنوب إلى الشّمال ليمتزج بالدّين المسيحي وفي نفس الوقت بذوق سكّان الشّمال الغليظ..

إنَّ حكايات “آرثر والطّاولة المستديرة” أو “الإمبراطور شارلمان ومروج فرنسا” أو “جنّ وفرسان وقدّيسون” كلّها حكايات وجدت في فترة كان فيها الذّهن الأوربي غليظًا جدّا، بحيث لم يتمكّن من أن يستنشق أريج الشّعر العربي.

وإذا كان “هردر” قد أشاد باللّباقة العربية والأوربية وامتزاجهما في الألفيّة الأولى من ظهور الإسلام وزاد “غوته” تأكيدا لذلك بعبارته الشّهيرة “الشّرق والغرب كلٌّ لا يمكن أن يُفصل بينهما البتّة”، فإنَّ “ألكسندر فون هومبولت” عزّز وجهة نظرهما بدراسة جديرة بالاهتمام صدرت له سنة 1847م، أين أتى على توضيح الدّور العربي الكبير في الدّفع الثّقافي بتاريخ الأفكار الغربيّة.

 

الأريج الّذي يتضوّع من ألف ليلة وليلة

ما الّذي عرفه ويعرفه الأدباء الألمان عن العرب وأدبهم؟

في بداية القرن الثّامن عشر طُبع أوّل عملٍ أدبيّ عربيّ في أوربا، غير أنَّ الطّبعة كانت فرنسية. وكان هذا العمل هو حكايات ألف ليلة وليلة، الّذي ترجمه المستشرق الفرنسي “أُنطوان غالان” وهناك من فرنسا شقّ سبيله في اتجاه كلّ بلدان العالم. إنّنا إذا استثنينا الكتاب المقدّس فإنَّه يمكننا القول أن لا كتاب عرف انتشارا وتوزيعا واسعين مثل هذه المجموعة العربية من روائع الأساطير والحكايات.

لو أنّ أوربا والعالم الغربي لم تحتفظ بتلك الأحكام القديمة وتتشبّث بها في علاقتها مع العالم العربي وأنصتت لأصوات تلك العقول النّبيلة وإتخذتهم قدوةً ومعلّمين، لكان العالم اليوم أفضل ممّا هو عليه.

فكلّ من “فيلاند”، “غوته”، “ماكسيمليان كلينغر”، “غوت فريد أوغست بيرغر”، “كارل إيمرمان”، “أوغست فلهيلم شليغل”، “شتيفان جورج”، “هوغو فون هوفمان شتاغل”، “هرمان هيسة”، “فريدريش يونغر”، “هرمان بروخ”، يُعدّون من الشّعراء والأدباء الألمان الّذين نفذ إليهم سحر ألف ليلة وليلة والّذين استلهموا واقتبسوا لأعمالهم منها.

ولهذا الأثر البليغ الّذي تركته ألف ليلة وليلة على الأدباء والشّعراء الألمان العديد من الأسباب، إلاّ أنّه يمكننا أن نذكر نقطة أساسية لهذه الحفاوة السّريعة بالأساطير العربية في عصر التّنوير وهي محتواها وقيمة أفكرها الشّعبية، وهذا ما أشار إليه “فيلاند” عندما كتب أنّ عناصر ومكوّنات هذه الحكايات والأساطير “تتناول كلّ شيءٍ من المحيط والبيئة إلى الظّروف والأشخاص بتنوّعهم سواء كان أحدهم شابا صغيرا أو عجوزا كبيرا، أو إنسانا وضيعا أو رفيعا، عالما وأميّا أو كُسالى وناشطين. كلّهم يجتمع ليروي من روائع الأحداث والمغامرات أو يجلس ليستمع إلى جميلها وعجيبها”.

إنَّ للخوارق والخيال والسحر والجنّي الصّغير دور كبير في جمالية ألف ليلة وليلة ولكنّ العجيب فيها هو ذلك التّصوير الدّقيق والبسيط واللّطيف. فالخيال يجد سندا قويًّا في البيئة الواقعية والبيّنة. وفي الرّسم الجليّ والشّاعري للصّور والأحداث المرئيّة. إنّنا لسنا هنا أمام ذلك الفضاء الدّاكن والغائم وكئيب اللّون لبلاد الشّمال.

كما كان لتلك الصّورة الإنسانيّة لعالم البشر في ألف ليلة وليلة جاذبيّتها وسحرها الكبيرين على الأدباء الألمان في القرن 18 و19. فالمجتمع الّذي تصوّره والذي نتحرك فيه مجتمع متحضّر ذو سلوكات مهذّبة وأخلاقٍ رضيّة ونمط حياة راقٍ، يدلّ على عمق التّربية والتكوين الثّقافيين في هذا المجتمع  واستمرارهما لحقب طويلة. إنَّ طريقة محاورة الرّجل للرّجل والشّبح للشّبح أو الجنّي مع الإنسان أو مع الشّبح تتمّ بأدب ولطف كاملين واحترام ومجاملات متبادلة، والّتي لا نجد لها مثالا في مكان آخر غير ألف ليلة وليلة.

كما تكشف لنا الأناقة عن مجتمعٍ عالي الثّقافة والتّعليم، يدير فيه حمّال السّوق حوارا راقيا مع سيّدة تعلوه مرتبة إجتماعيّة ولكنّها تُساويه في المرتبة الثّقافيّة والأدبيّة، وهذا ما يُثير الفضول والانتباه إلى حقيقة الثّقافة العربيّة في القرون الوسطى، أين يُنظر إلى العلماء والمفكّرين نظرة إجلال وتوقير. فالعلم والمعارف بلغا من العلوّ والشّأن ما لم يبلغاه في زمن ولا في مكانٍ آخر، فالميزة التي يتميّز بها البطل في القصّة أو الأسطورة العربيّة سواءً كان أميرا أو ابنا لتاجر هو مستواه التعليمي العالي وإلمامه بالآداب والمعارف، فنجده يتكلّم لغات كثيرة وينظم الشّعر ارتجالا وذو قدرة فكرية خارقة، كما تُجمّل الثّقافة الفنّية أخلاق النّساء الشّاعرات وأدبهنّ فغالبا ما تأتي أجمل الكلمات والعبارات من أفواههنَّ.

لقد بلغ ثناء “هردر” ومدحه للأدب العربيّ ذروته في كلمات مدهشة قليلا ما تصدر عن كاتب غربيّ “ليس هناك شعب له أن يفتخر بشغفه وحبّه للشّعر مثل العربي في عصوره الذّهبيّة”.

إنَّ “ألف ليلة وليلة” هي أوضح دليلٍ على الذّكاء العجيب ولغة الحوار القويّة للرّواية التي اطمأنت إلى سحر كلماتها واعتمدت عليها في شفاء السّلطان الجائر من علَّته، ممّا يجعلنا نعيد النَّظر في تلك الصّورة النّمطيّة التي نحملها عن وضع المرأة الدّنيء في العالم العربي.

 

حاتم وزليخة:

إذا أخذنا في الإعتبار القيمة الشّعرية لمجموعة المصنّفات الأدبية العربيّة، فإنّه لن يتملّكنا العجب إذا أدركنا أنّ الشّاعر الألماني الكبير غوته كان يُحِسّ بِألفة وأنّه بين أهله في بغداد “ألف ليلة وليلة”، وأنّه لم يُسلِم نفسه فقط لشهرزاد بل كان يستلهم منها بشكلٍ واضح وجليّ في قصيدته: “بهجة الرّواية” وهو نفس السّبب الّذي لوجود الكثير من الاستنباطات من “ألف ليلة وليلة” في أعماله الأدبيّة، كما أنّه لم يتأثّر فقط بمواضيع وأشكال وسياق بعض الأعمال القصصيّة في “ألف ليلة وليلة” بل اعتمد على بعض المميّزات الخاصّة بشهرزاد في سرد قصصها وجعل منها نموذجا لبعض أعماله مثل “محاورات مهاجر ألماني” و”وهم وحقيقة” و”سنوات حجّ السّيد وليام”. كما كان لـ”ألف ليلة وليلة” الأثر الكبير على أعماله الدّرامية وخاصّة الجزء الثّاني من مسرحيّة “فاوست”، انطلاقا من دور السّاحرات في اختفاء الكنز وحصن المومياوات إلى ليلة “فالبورخيس” والتقاء “فاوست” مع “هيلينا”.

عندما أعلن “غوته” في ديوانه “شرق غرب” أنّ بغداد ليست بعيدة عن العاشقين فهو لم يكن يشير هنا إلى بغداد ألف ليلة وليلة، وإنّما إلى بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية نفسها التي كان يملك عنها معلومات تاريخية عجيبة ومذهلة، حتّى أنّه رفعها إلى مصاف المدن العربيّة ذات الثّقافة العالية والمزدهرة مقارنة بفايمار الألمانية التي كان يعيش فيها، أمّا المقطع الذي يقول “بغداد ليست بعيدة عن العاشقين” الّذي ضمّنه ديوانه “شرق غرب” فقد أقتبسه من الشّاعر التّركي نجاتي من قصيدته التي يقول فيها “إن كَانَت عنكَ بعيدة وعن العاشقين…. بعد المشرقين والمغربين….. فشدّ الرّحال إليها يا قلبي ….. فما أقصر طريق العشّاق إلى بغداد “، بل إنَّ “غوته” قلب هذه الأبيات ذاتها إلى قصيدة غزليّة يتغزّل فيها بزليخة:

“إذا فُرِّقَ بينك وبين عاشقيك…. كما فرّق بين المشرق والمغرب….فالقلب يرحل بين الصّحاري…. يرافقه نفس الموكب…. فبغداد ليست بعيدة عن العاشقين”.

صار اليوم واضحا للباحثين في أشعار “غوته” أنَّه استعار اسم زليخة ليخفي وراءه اسم “ماريان” الشّاعرة والمغنّية خطيبة “يعقوب فيلمار” صديق “غوته” والتي كان مولعًا بها، أمّا اسم “حاتم العربي” فيختفي وراءه “غوته” نفسه.

كان “هردر” أوّل من تكلّم عن القرآن الكريم واعتبره عملا إبداعيّا مميّزا وتحفة شعريّة لا تُضاهى تحدّى بها الرّسول الكريم جميع الشّعراء على أن يأتوا بمثلها ووصف الإسلام بأنّه “دين شاعريّ”

إنّ ذكر بغداد في أعمال الأدباء الألمان كان دائما رمزا للحنين والشّوق إلى الماضي وإلى الوطن، ورمزًا للأمل في اللّقيا والوصل بعد انقطاع ورمزا لآلام وجراح الحبّ لا تندمل.

ولكن ما السّر الّذي جعل لبغداد هذه القوّة في شفاء وعلاج قلوب العاشقين؟ والجواب نجده في المثل العربي الّذي يقول “إذهب وابحث عن التّرياق ببغداد”، بما يعني أنَّ التّرياق هذا الدّواء الفعّال ضدّ لدغات الأفاعي وسمومها كان يُحضّر ببغداد، أمّا غوته فقد ترك قصاصة بين أوراقه تقول  قبل أن نذهب ونبحث عن التّرياق ببغداد يكون المريض قد قضى”.

إنّ من كان موجودا مثل “غوته” و”هردر بفايمر” فإنَّه كان يعرف الكثير عن عواصم الثّقافة العربيّة والإبداعات الفكريّة العربيّة التي يمكن أن نتصوّرها اليوم؛ ففي تلك الفترة لم نكن ننبهر بأسلوب السّرد العربي وحده بل كان الكثير مهتمّا بالأمثال العربيّة خاصّة “لُوسينغ” والمستعرب “يان يعقوب رايسكا” الّذين أدخلا عيّنات منها إلى اللّغة الألمانيّة.

إنّ وجود مثل هذين المثقّفين المستعربين كان دافعا للكثير من مثقفي القرن 18 إلى الاهتمام بالثّقافة العربيّة، فعندما ذهب “غوته” للدّراسة بجامعة “لايبتسيغ” كان “رايسكا” قد أصدر ترجمته لأشعار “المتنبي” الغزليّة ممّا ترك أثرا بليغًا في نفسيّة الشّاب “غوتة” ذي 16 ربيعا، تغلغلت آثارها إلى رائعته “فاوست”.

 

معين لغة لا ينضب:

كان “غوته” و”هردر” قد أجمعا على تلك الألفة والصّلة المميّزة للعرب بالشِّعر، إلاَّ أنّ “هردر” سبق “غوته” في التّعبير عن رأيه في الشّعر والعرب فكتب سنة 1778 “إنَّ العرب كانوا دائما وعلى الدّوام شعراء، فلغتهم وعاداتهم خُلقت بالشّعر ومن أجل قول الشّعر، إنّهم يعيشون تحت الخيام وفي حركة مستمرّة وحياتهم مغامرات وتقلّبات لكنّهم ملتزمون بعادات وتقاليد واحدة معتدلة ومستقيمة وذو سليقة شعريّة. فبدل أن يتباهى العربيّ بالتّاج تباهى بعمامته، وعوض أن يُمجّد الجدران مجّد خيمته، وبدل الحصن السّيف وبدل الشّعر القانون”.

كما اعتبر “هِردر” أنّ الشّعر كان له كبير الأثر على عادات العرب وتقاليدهم بعكس القانون الّذي نادرا ما كان له ذاك الأثر. فالشّعر حسبه “يعكس رؤية العرب للحياة، فهم يتنسّمون الحرّية وعدم الخضوع، ذو كبرياء وإباء وشجاعة. أشدّاء على العدوّ إلى حدّ الانتقام وسفك الدّماء ودمثِو الخلق مع الصّديق وأوفياء مع الحليف. كما تولّد عن تنقّلاتهم وترحالهم روح المغامرة فمزجوها بأشعارهم، فالشّاعر المتغزّل يتباكى ويأسف ولكن بعزّة الفارس الباسل…. وقد سبقت هذه الشّاعرية العربيّة ظهور النّبي بعقود.”

لقد بلغ ثناء “هردر” ومدحه للأدب العربيّ ذروته في كلمات مدهشة قليلا ما تصدر عن كاتب غربيّ “ليس هناك شعب له أن يفتخر بشغفه وحبّه للشّعر مثل العربي في عصوره الذّهبيّة”.

الألمان كغيرهم من المجتمعات الأوربية وباستثناء الإسبان، عملوا على إخفاء كلَّ فضلٍ للثقافة العربية وتنكّروا لجميلها.. فالغرب المسيحي – كما هو يعرّف نفسه دائما – بقي دائما معترضا على الاعتراف بأثر الثّقافة والرُّوح الإسلامية على ثقافته.

كما قام “هردر” و”غوته” سنة 1783 بترجمة المعلّقات السبعة، التي ظهرت قبل الإسلام مستعنين في ذلك بنموذج لاتيني وآخر إنجليزي كانا متوفّرين في تلك الفترة، وأثنى “غوته” على تلك القصائد واعتبرها كنزًا من الرّوائع يساعدنا على إدراك المستوى البلاغي والثّقافي الّذي بلغه المجتمع القرشيّ قبل بعثة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، أمّا ما عدا المعلّقات فقد تأثّر “غوته” كثيرا بشعر البطولة والحماسة فقام بترجمة قصيدة “الانتقام” لـ “تأبّط شرًّا” والتي أراد من ورائها أن يُعطي فكرة للقارئ الألماني عن الشّعر العربي.

وقبل سنة من وفاته قام مستشرقٌ شاب بزيارة “غوته”، الّذي صار يبلغ من العمر 81 سنة، ونقل إلينا كم بقي من الأثر لتلك القصائد والأعمال الشّعريّة العربيّة على شخصيّة “غوته” وروحه فكتب في تقريره أنَّ “غوته أخبره أنّه عندما كان فتًى يانعا، كان شديد الولع والاهتمام بالشّعر العربيّ…. وعندما أبديت له إعجابي بترجمته لشعر الحماسة في ديوانه “الدّيوان” رفع رأسه واستوي في جلوسه وترك معالم العزّ والكبرياء ترتسم على سحنات وجهه ثمَّ أنشد:

“على الدّرب هناك بين الصّخور سقط ميّتا.

لكن لا قطرة دمٍ تقطر من جسده.

وعند الظّهيرة بدأنا نحن الصّبيان حربنا التي لا تذر.

نجرجر الأقدام كلَّ اللّيل.

مثل سحابٍ عائمٍ بلا استرخاء.

كلّنا كان سيفًا يُسحب من غمده فيضيءُ بريقه في الظّلام.

كنّا نُغري أشباح الرُّقاد. فتومئ برؤوسها فنضربها لنقطعها لكنّها كانت تتبدّد مثل السّراب”.

إنّ هذا التّقرير يكشف أكثر ما يكشفه “ملاحظات ودراسات” عن طبيعة العلاقة المتينة بين الشّاعر الألماني “غوته” والشّعر العربي.

عندما تدفّق العرب إلى جزءٍ من أوربا وبقوا هنالك قرونا عديدة، فإنّهم لم يتركوا أثرا أهمَّ من شعرهم وعلمهم، غير أنَّ شعرهم كان له من الأثر البليغ علينا ربّما أكثر من علومهم، والّذي سنبقى ممنونين لهم به

 

جمال من اللّه:

حتّى ننهي هذا الفصل، وجب أن نُجمل أثر القرآن العظيم والرّسول الكريم على الشّاعر الألماني.

كان “هردر” أوّل من تكلّم عن القرآن الكريم واعتبره عملا إبداعيّا مميّزا وتحفة شعريّة لا تُضاهى تحدّى بها الرّسول الكريم جميع الشّعراء على أن يأتوا بمثلها ووصف الإسلام بأنّه “دين شاعريّ”، غير أنَّ هذا سوف لن يكون غريبا وعجيبا إذا أدركنا أنَّ “هردر” مثله مثل غوته كانا ينظران إلى الكتاب المقدّس باعتباره مجموعة من الأشعار الشّرقية.

إنَّ كلّ مسلمٍ يسلّم في عقيدته أنّ القرآن هو كلمة اللّه التي أوحى بها إلى نبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم عن طريق الرّوح الأمين جبريل عليه السّلام، وبما أنّ القرآن إعجاز لغويّ لن يؤتى بمثله ولن يحاكيه أحد، فإنّ في إعجازه وقيمته الجماليّة دليل على أنّه من عند اللّه.

إنّ ممّا نعلمه أن “غوته” كان متأثّرا كثيرا بشخص الرّسول الكريم محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، بل نعلم أكثر أنّه بلغ من شغفه به أن ألّف مسرحية وهو في 23 من عمره عارض بها العمل المسيء للرّسول الكريم الّذي قام به “فولتير”، وقد قسّمها إلى فصول وجب أن نذكر أنّه في الفصل الأوّل منها أشار إلى توقّد إيمان الرّسول الكريم المذهل، وفي الفصل الثّاني سعيه وجهاده صلّى اللّه عليه وسلّم لإيصال فكرة الألوهيّة لباقي البشر، كما كتب في نفس الوقت قصيدته التي عنونها بـ”ترنيمة محمّد ” وهي أوّل مدحٍ وتعظيم للرّسول الكريم يُقدم عليه شاعرٍ غربيّ.

الشّعر كان له كبير الأثر على عادات العرب وتقاليدهم بعكس القانون الّذي نادرا ما كان له ذاك الأثر. فالشّعر حسبه “يعكس رؤية العرب للحياة، فهم يتنسّمون الحرّية وعدم الخضوع، ذو كبرياء وإباء وشجاعة. أشدّاء على العدوّ إلى حدّ الانتقام وسفك الدّماء ودمثِو الخلق مع الصّديق وأوفياء مع الحليف. كما تولّد عن تنقّلاتهم وترحالهم روح المغامرة فمزجوها بأشعارهم، فالشّاعر المتغزّل يتباكى ويأسف ولكن بعزّة الفارس الباسل…. وقد سبقت هذه الشّاعرية العربيّة ظهور النّبي بعقود.

وقد انتحلت الشّاعرة “كارولين فون غيندرود” أسلوب غوته في قصيدتها “حلم محمّد في الصّحراء” واصفة ساعة من ساعات ابتهال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم:

“شقَّ اللّه بقدرته حجب الغيب أمام عيني

فرأيت رايات نصر ديني ترفرف بين السّماء والأرضين

وشريعتي تسود كلّ بيت في العالمين”

غير أنَّ “فون غيندرود” توفّيت سنة 1806 دون أن يلتفت إلى شعرها وكتاباتها أحد، لكنَّ  الأقدار شاءت أن يأتي بعدها بمائة سنة “كلابوند” ويستلهم من دعوة الرّسول الكريم لروايته “محمّد” الصّادرة سنة 1917، وكذلك “راينار ماريا ريلكا” في قصيدته السّونية  “ابتهال محمّد” الصّادرة بباريس سنة 1907، الذي أشار عليه المستشرق “فريدريش كارل أندرياس” بقراءة “ديوان شرق غرب” كي يأنس للقرآن وسيرة الرّسول الكريم.

كان “غوته” أوّل شاعر أوربيّ كبير ينفتح على الإسلام واستطاع بصراحته وصدق تعامله مع القرآن الكريم والعالم العربي أن ينقل للغرب أفكارا وأبعادا جديدة، ولكن ما يُؤسف له أنَّ القليل من أصحاب العقول النَّافذة من بني قومه من كان قادرا على إتباع منهجه والإقتداء به في بداية القرن 19م، ومع ذلك فقد بلغ صيت أفكاره أوربا الشّرقيّة أين وجدت آذانا صاغية مثل آذان الأديب الرّوسي الشّهير “ألكسندر بوشكين” و”آدم ميكيفيتش” الشّاعر البولوني الذّائع الصيت، الّلذين كتبا شعرا وأدبا عن العالم الإسلامي وتناولا نمط المعيشة العربي والأفكار الإسلامية بشيءٍ من الجدّية والتعاطف.

لو أنّ أوربا والعالم الغربي لم تحتفظ بتلك الأحكام القديمة وتتشبّث بها في علاقتها مع العالم العربي وأنصتت لأصوات تلك العقول النّبيلة وإتخذتهم قدوةً ومعلّمين، لكان العالم اليوم أفضل ممّا هو عليه.

 

هذا المقال مترجم عن جريدة “زوريخ الجديدة”
ترجمه لزاد دي زاد: نور الدين بحوح
لقراءة المقال من مصدره الأصلي انقر هنا

ads-300-250

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.