زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

الحوار الوطني ورهان التغيير

الحوار الوطني ورهان التغيير

يظل منطق التغيير لأنظمة الحكم ، الذي أحدثته الثورات الشعبية بكل من تونس ومصر، يشكل هاجس خوف لدى كل ألأنظمة العربية ، وما يحدث هنا وهناك على الساحة العربية ، والاستجابات المتدرجة لأنظمة الحكم لأجندة التغيير ، تؤكد جسامة الهلع الذي يصيب كل مرافق الحكم ، من أجهزة إدارية ، وأمنية ، وسياسية .

هذا ما يفسر التخبط الكبير في تعاملها مع مسارات الأحداث المتسارعة ، التي تقودها الجماهير المنتفضة ، التي تجاوز فعلها كل الهيئات القائمة من أحزاب وهيئات مدنية ونقابية ، وأخذت شرعيتها فقط من مسميات التحفت عنوانا يمثل تاريخ اليوم الذي بدأت فيه هذه الثوارات  وفي خضم هذا التطور، وجدت الأحزاب – المعارضة منها – نفسها مجبرة على تبني هذه المطالب، والعمل على صياغة مقترحات برامج تتماشى مع رغبة الشارع الغاضب ولم يكن بمقدورها فعل هذا، قبل هذه الثورات.

لاشك أن نتائج هذه الهزات المحققة ، وتعاطي الغرب الرسمي معها ، أحدثت حالة من الترقب ، والحيطة ، وسلوكا سياسيا ، يحاول الانفتاح على المجتمع ، من جانب كل الأنظمة العربية ، وبدرجات مختلفة هنا وهناك ، عملا منها على امتصاص الصدمة ، ومحاولة إجراء إصلاحات اجتماعية تتجاوز بها وضعيات الغبن الاجتماعي المسجل ، وفي نفس الوقت تقدم وعودا بإصلاحات سياسية.

إن الجزائر غير مستثناة مما يحدث ، برغم تجربتها القاسية ، التي لم تعرفها أي منطقة عربية أخرى ، فالمحنة التي عرفتها الجزائر خلال أكثر من عقد من الزمن ، قد يكون لها تأثير مباشر ، على تعاطي الشعب الجزائري بحذر ،  مع كل ما وقع ويقع من أحداث في الوطن العربي .

إن رياح هذا التغيير ، فتحت شهية الساسة ، والنخب في الجزائر ودفعتهم إلى الحديث عن ضرورة التغيير ، سواء كانوا من صلب النظام نفسه ، أو من خارجه ، والكل يعرض وصفته العلاجية لما ينبغي فعله ، لتجاوز واقع الحال ، ومواكبة مجريات الأحداث الجارية ، خشية آثار السقوط الحر . نجد الجميع يتحدث عن حتمية التغيير، سلطة ومعارضة ، وهذه نقطة اتفاق بين الجميع ، تكاد الغالبية من الفعاليات السياسية تلتقي على خط التغيير السلمي لآليات الحكم في الجزائر، درءا لكل عنف ، قد لايجلب خيرا للبلاد.

تباين وجهات النظر، تكمن حول آليات تغيير النظام ، أو إصلاحه  هل يتم ذلك بواسطة تعديل عميق للدستور، يمس مفاصل الحكم ، أو بناء مؤسسات جديدة ، يأتي على رأسها انتخاب مجلس تأسيسي ، توكل إليه مهمة صياغة دستور آخر، يؤسس لميلاد جمهورية ثانية .

تحتل مسألة إقامة حوار وطني، بين كل الأطراف، سلطة ومعارضة، حيزا كبيرا ضمن خطط الإصلاح الجاري الحديث عنها حاليا ، هنا تجدر الإشارة على أن الحوار الوطني ، عشنا تجربته خلال التسعينيات ، وانتهى أمره بإنتاج الآليات نفسها للحكم ، وحافظ النظام الجزائري على البنية نفسها دون تغيير ، وما جرى تغييره ، مس الحكومات المتعاقبة على دفة الحكم ، في غياب إنتاج سياسات جريئة ، تستهدف تحسين الوضع برمته ، بعيدا عن الرتوش التجميلية .

الحوار الوطني السابق ، جرى في ظروف خاصة بالجزائر ، وتميز بسعي السلطة القائمة أنداك ، بدفع الفعاليات السياسية لتزكية خطة موجودة ، وسياسة قائمة ، ترى في تنفيذها “مصلحة الجزائر” ، و”صيانة قيم الجمهورية” ، هذا المسلك نفسه يشكل وجها مناقضا لغاية الحوار، التي تقتضي التفكير الهادئ والجاد من طرف المتحاورين ، بغية الوصول إلى صيغة جامعة ، نعالج من خلالها أمراض الواقع الحاصل ، دون محاولات الالتفاف الممارسة بغية الدعوة إلى اعتماد رؤية سياسة معدة مسبقا ، كل ذلك كان يهدف إلى شيء واحد هو العمل على الإبقاء ، على الآليات المشكلة لطبيعة النظام السياسي ، على مستوى محاورها الأساسية .

اعتقد أن سمات الدعوات إلى الحوار الوطني ، وتنظيم ندوة وطنية من أجل البحث عن سبل للإصلاح ، تكاد تكون صورة مكررة لما حدث في التسعينيات . في واقع الأمر ، المشكل لا يكمن في مسألتي الحوار الوطني والندوة الوطنية ، بقدر ما يكون في النوايا ، وصدقية إرادة التغيير ، لدى كل الأطراف الداعية إلى هذا من سلطة ومعارضة .

إن شفافية الطرح ، وصدقية النوايا ، في التعاطي مع طبيعة الحكم وأنماط تنظيمه ، وأساليب ممارسته ، والبحث عن البنية التنظيمية التي تتوافق مع إرادة المجتمع وطموحاته ، بما يكفل له حرياته ، والعمل على إبعاد كل الحسابات التي تؤثر على المصلحة الوطنية ، في الوحدة والاستقلال والعدالة الاجتماعية ، هي التي تشكل النهج السليم المؤطر لكل عملية تغيير . اليوم الإشكاليات المطروحة لتنظيم الحكم تتمحور حول قضايا جوهرية تتعلق بـ (الديمقراطية ، والحرية ، والحقوق) وهي مفاهيم أنتجتها فلسفة الثقافة الغربية ، وطورت أساليب ممارستها ، وأصبحت ضمن الإرث الإنساني ، فتبنيها يكتسي طابعا كليا غير مجزأ ، ولا يقبل التفسير والتطويع ، فالمحاذير لاتتجاوز القيم الأخلاقية الثقافية لدى أي مجتمع ، ونحن لانشكل استثناء ضمن النسق العام للبشرية . إن مقولات مثل ( نحن غير مؤهلين لتطبيق الديمقراطية) أو ( تاريخنا لم يتهيأ لاستيعاب مثل هذه المفاهيم ) ، هي مقولات تبريرية لأنظمة الحكم ، ترفض أي تحول ديمقراطي .

الشعوب اليوم تعي جيدا مصالحها ، وما يفيدها في التكفل بقضاياها  والعالم أضحى مفتوحا ، نرى فيه كل شيء بوضوح ، وفيه من بدائل الاتصالات والمعلوماتية ، ما يساعد على فهم أي شيء ، وأي سلوك ، إذا فهمنا ذلك ، وأدركنا واقعنا جيدا ، استطعنا إيجاد الصيغ الكفيلة بإدارة مصالحنا ، بشكل راق ومفيد .

الحوار الوطني كآلية غايتها ، إخراجنا من دوامة الانتظار، والبحث عن سبل إدارة الشأن العام، بما يكفل الحريات والحقوق، أمر مقبول ومطلوب، ينبغي البدء فيه حاليا، ولا يمكن تأجيل ذلك. وأن استشعار نبض الشارع، واستيعاب انشغالاته، يشكل عاملا أساسيا، في إنجاح المساعي الهادفة إلى بناء دولة مؤسسات ترقى بعملها إلى خدمة الوطن والمجتمع.

الشعب الجزائري الذي تحمل عبء مواجهة الاستعمار ، واستطاع فك استقلاله ، فالجيل الذي كان له شرف مناهضة ومقارعة العدو ، كان جيلا شابا لايتجاوز سن الثلاثين في غالبيته ــ والرئيس بوتفليقة نفسه تحمل حقيبة الخارجية في حكومة الاستقلال خلال العقد الثالث من عمره ــ ولم تكن لهذا الجيل من الوسائل ما هو متاح لجيل اليوم ، ومع ذلك سجل ملحمة تاريخية لازالت تتغذى بها شعوب العالم إلى يومنا هذا .

الحكم الراشد يعتمد معيار الكفاءة، والقدرة العلمية، التي تسمح له بإدارة المؤسسات، وفق منهجية أساسها المعرفة، والتخطيط، واعتقد أن جيل اليوم يمتلك من الأدوات المعرفية، ما يجعله قادرا على الإبداع، وعلى تقديم ما ينفع الأمة ويطورها. صراع العالم اليوم ، صراع يقوده العقل ، والقدرة على التفكير ، ولا مكان فيه للعواطف ، على بلادنا أن تلج هذا العالم ، وتنتفع مما فيه ، بأساليب جديدة ، وبروح عالية ، وبآليات توافق هذه الروح الجديدة، وتعتمد إرادة الشعب وصولا ، وبقاء في السلطة ، أي حوار لايهدف إلى ترسيخ هذه المثل في الإدارة والتسيير ، يبقى حوارا يؤدي إلى إنتاج الأنظمة نفسها ، والعقلية نفسها ، علينا أن نتجاوز محنتنا ، ونقي أنفسنا من هول كل المخاطر.    

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

1 تعليق

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

  • تعليق 1924

    عبد الرحمن بوخاري

    جذبني العنوان ** الحوار الوطني و رهان التغيير ** من أين يستمد الحوار وطنيته هل من جماعة و وجوه بائسة تتبادل الأدوار فيما بينها ..الذين يتحكمون قلة قليلة و الذين يظهرون بمظهر المعارضة قلة مثلهم فهل تتحاور القلة مع القلة ؟؟؟ الأغلبية الساحقة من الشعب صامتة و مغيبة عن هذا الحوار …اما التغيير فلن يأتي بمن لديه صلاحيات حتى لو أعطيت لملاك طاهر لأرجعته مستبدا بدرجة إمتياز ..

    • 0

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.