زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

الجماعات المحلية بين الفعالية والتنظيم

الجماعات المحلية بين الفعالية والتنظيم

1- الغاية المعطلة:

يحتل النقاش حيزا كبيرا في الأوساط السياسية بالجزائر، حول المضمون الذي يكون عليه قانونا البلدية والولاية، وهما النصان التشريعيان الضابطان لدور الجماعات المحلية في التنمية، والصلاحيات الممنوحة للمجالس المنتخبة. هذا الاهتمام لايخرج عن نطاق ما لهذه المجالس من فعالية في تأطير الشأن العام المحلي ، على أساس تعاظم المشاكل المطروحة على مستوى التسيير ، وأساليب معالجتها ، واستعداد الأحزاب على مدى تحملها لمسؤوليتها في التنشئة السياسية ، واختيار الكوادر البشرية القادرة على التعاطي مع جهود الدولة الجزائرية في التنمية .

 

السياسة جهد فكري ، وفعل ايجابي ، يستهدف الصيغ الكفيلة بتسهيل إدارة الشأن العام، والتمكن من إيجاد الحلول التي تعزز غاية الحكم ، وتجسيد إراداته في التنظيم والتدبير، وأي سلطة لا تبحث دوما عن أفضل السبل التي تجعلها قريبة من المجتمع، منفتحة عليه بالقدر الذي يجعلها تتحسس قضاياه في الحين،يكون مآلها الفشل والإخفاق في تنفيذ مشروع سياستها.                                   


هذا الجهد الفكري يصيب ضالته ، في حالة تفهم الواقع بكل أبعاده ، وإدراك خصائص المجتمع ،وتمثل حاجاته ، وصياغة ذلك ضمن برنامج ، يشكل إجابات لما هو مطروح من قضايا مختلفة ، ويحدد آليات التنفيذ العملية التي تنسجم مع السياسات المختارة ، وبالتالي نعطي الفعالية والحيوية لأنشطة مؤسساتنا ، ونسمح لها بالتجاوب مع واقع الأحداث ، والاستجابة الحينية لما يطرح من مشاكل.          


إن المشاكل المطروحة على مستويات التسيير لشأن الجماعات المحلية  والانحرافات التي تحدث في ذلك ، وما يصطحبها من مضاعفات ، فلا ينبغي أن نجعلها محددات ارتكاز تقودنا في اتجاه الحسم لطرح معين ، الذي قد تنجر عنه مخاطر تبعدنا عن الأهداف والمبادئ التي نسعى إلى تثبيت أسسها لترسيخ تقاليد بناء دولة حديثة، قوية بمؤسساتها.                                                  


في الواقع أن الأساليب التي واجهنا بها الكثير من القضايا المرتبطة بتسيير الجماعات المحلية ، قد تفتقر الى الرؤية السليمة ، والطرح الرزين ، وبذلك جاءت الحلول في ثوب لاينسجم مع التطلعات السياسية التي تسعى إلى تنمية العمل الديمقراطي الذي يتيح للمجتمع التكفل بقضاياه من خلال ممثليه في المجالس المنتخبة.                                                                        


إن النقاش السياسي الدائر حول قانوني البلدية والولاية ، وتباين وجهات النظر حوله ، لايمكن اعتباره نقاشا عاديا ، يسعى لحصر المشاكل المطروحة على مستوى التسيير، وإيجاد الآليات الكفيلة بتجاوزها. فالمشاكل هذه تظل تشكل مطيات تبرير، لتأسيس نمط معين من التسيير، يذهب في اتجاه الحد من صلاحيات هذه المجالس، بالقدر الذي يحرمها من التكفل الحقيقي بالشأن العام ،وقضايا المجتمع، والمساهمة بشكل ايجابي في ترقية العملية الديمقراطية.                          


إن هذه المقاربة التي تتجه نحو إبعاد المنتخب على تحمل المسؤولية المباشرة ، لإدارة الجماعات المحلية، يتناقض مع التوجه القاضي بتبني اقتصاد السوق كأسلوب اقتصادي مؤسس على الحريات ، والتنافس في ضبط وتسيير الواقع ، بكل أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. طرح هذه المقاربة ، بهذا الشكل غير مؤسس ، لكونه أخضع مسألة التسيير إلى بنية هذه المشاكل وطبيعتها، ولم يسع إلى تحليلها وتحديد عللها وأسبابها، لذلك كانت الحلول التي واكبت الكثير من المشاكل(توزيع السكن مثلا) ، حلولا متسرعة وغير دقيقة ، وأحدثت العديد من الهزات الاجتماعية ، وشوهت مهام الجماعات المحلية ،وعمقت التركيز في الصلاحيات والمهام.                                                                        


هذا التركيز لم يكن القصد منه تجاوز صعوبات في التسيير ، وإنما كان محاولة لفرض واقع قبل البت في قانوني البلدية والولاية، والسؤال المطروح، هل نقل الصلاحيات من المجالس المنتخبة إلى ما يسمى بالوصاية الإدارية أفضى إلى الحلول التي تسهل للمواطن تلبية حاجاته ؟ وهل نحن بعد مرور أكثر من خمسة عقود في تسيير الجماعات المحلية لم نحدد بعد الأسلوب الكفيل بالتحكم في قضايا مجتمعنا وبصورة أكثر تنظيما وتأثيرا ؟ فتنمية الأساليب وتطوير الآليات والصيغ الجديرة بتحديث المؤسسات الإدارية، وجعلها أكثر استجابة لمتطلبات الحياة، شيء مرغوب، ولكن ينبغي أن يستجيب لسنن ومعايير الفقه الإداري ، لا أن يتجاهلها ، وبهذا نكون قد سقطنا تحت طائلة المثل العربي القائل ( أنمنع صنع السكاكين إذا استعملها أحد المجانين في قطع رقبته).                                                                  


يتعين أن ننهج السبيل الأسلم في معالجة المشاكل التي افرزها مسار التسيير ،وان لاتكون النقائص المسجلة على مستوى قدرة المنتخب وكفاءته ، او الانحرافات التي تظهر من خلال تعاطيه مع تدبير الشأن العام ،  والقفز على القواعد التنظيمية، هي أسباب موضوعية تعتمد عليها الوصاية في شل هذه المجالس المنتخبة ، وجعلها مجرد ديكور يزين واجهة العملية الديمقراطية ، هذا المنحى يؤثر بشكل سلبي على بناء المؤسسات ، وتثبيت دورها في التكفل بقضاياها ، ويقودنا حتما في طريق الإفلاس الذي صنعناه بفعل نزعة الانتقاص التي نمارسها في ترتيب الصلاحيات ، وتدوير مسارها ،وبذلك قد نسلط العقاب على بنية الجماعات المحلية ، ونترك الجاني الذي يكون قد تسبب في إحداث هذه الهزة في التسيير . من هنا كان على الوصاية الإدارية أن تعمد إلى حلول أكثر توازنا، صيانة للمؤسسات المحلية، وحفاظا على أهدافها. إن تأسيس تقاليد عمل ، تعتمد على الميل نحو خلق سلوك ينزع إلى التكامل ، والتعاون بين المنتخبين والوصاية ، هو الاتجاه الصحيح والمحبذ ، لان طبيعة تواجد هذه الهيئات المكلفة بتلبية الخدمة العمومية ، يقتضي ذلك ، عمل ومهام كل طرف لاينبغي أن يسودها الصراع ، ونزعة الاستخفاف والتقليل التي تطفو على سطح الممارسات .                                                               


هذا الأسلوب لايتماشى مع روح المنظومة التشريعية ، وغاياتها ، ويبقى شاذا لا يعكس الإرادة السياسية العليا ، ومثل فضائلها المنشودة في الحكم.  


2- معركة الصلاحيات         


وجدت الجماعات المحلية كبنية أساسية للدولة، تساهم بشكل فعال في تلبية حاجات المجتمع المتغيرة، تنظيما، وإدارة، فتتمكن بذلك من التكفل بها عن قرب، وهذا يسير وفق قواعد تنظيمية وتشريعية تصون وحدة الدولة السياسية.    


فالنظام اللامركزي الذي تنتهجه الجزائر على المستوايات الإدارية والاجتماعية والاقتصادية ، منح للجماعات المحلية القدرة على التفاعل مع مستجدات التسيير، والاستجابة لمتطلباتها دون عائق ، وتمكنت الولايات والبلديات من استخدام إيراداتها المحلية لتلبية حاجات التسيير والتجهيز المتنامية ، وتظل الحاجة إلى مزيد  من الدعم المالي والتنظيمي لتتمكن هذه المؤسسات القاعدية من لعب دورها كاملا. 


إن هذا النظام بطبيعته المرنة يشكل أساسا حقيقيا لممارسة الحريات العامة وترقيتها، ويمكن الدولة من تطبيق سياساتها التنموية،في منأى عن عيوب التعقيد والثقل الإداريين،هذا النظام اللامركزي لاينبغي تقييده بإجراءات تفرغه من غايته ، وتجعله رهين بيروقراطية قاتلة،  لاتنسجم مع روحه التي تراعي تطور مسار التسيير ، وتشعب قضايا المجتمع.                                           


اعتقد أن التستر تحت غطاء تجاوزات المنتخبين ، وتورطهم في الكثير من المشاكل التي أضرت بالشئون العامة للجماعات المحلية، مبرر لايستقيم مع منطق الأشياء، كون هذا التجزيء غير سليم ، من منطلق أن أفراد المجتمع يعيشون ضمن مناخ اجتماعي وثقافي واحد ، سواء المنتخبين أو الموظفين الإداريين في كل المستوايات، هم أفراد ينتمون إلى نفس المنظومة الفكرية والمرجعية الثقافية ، يتأثرون ، ويتفاعلون مع واقعهم ، بدرجات قد تختلف من فرد إلى فرد آخر ، فالأخطاء المرتكبة تكون هنا وهناك ، فلا يمكن أن تنفرد وتتصف بها فئة عن غيرها ، لذلك يكون من الإجحاف والمبالغة إذا سلمنا كلية بأن المنتخب هو مصدر هذه النقائص المسجلة ، فلكل سواسية ، وان ظاهرة الفساد الإداري عامة ، وقد يكون المجتمع استسلم لهذا المرض اللعين الذي بدد ويبدد المال العام ، بالرغم من جهود الحرص على ضرورة مكافحته .                                                    


علينا إن نتجه صوب سياسة تدعم اللامركزية الإدارية والاجتماعية والاقتصادية ، على أن تعطى للجماعات المحلية كل الصلاحيات التنظيمية والتشريعية ، مرفقة بالإمكانيات التي تؤهلها على القيام بإدارة شئونها المحلية ، وان يكون للمجالس المنتخبة الدور الحاسم في ترتيب وتدبير الشئون المحلية وفق برامج واضحة ، والتي تكون هي السبب في نيل المشروعية من خلال التزكية الشعبية ، وان كل اتجاه لايذهب من اجل تأكيد هذه الصلاحيات ، يظل عملا ناقصا يضر بالمضامين التي تميز اللامركزية ، ويصب في وجهة ما يسمى في الفقه الإداري عدم التركيز أو المركزية المخففة(1) المعتمد على فكرة التفويض ، التي أملاها اتساع نطاق النشاط الإداري ، ومن اجل ضمان فعاليته ونجاعته ، تفضل السلطات المركزية تفويض أعوانها لدى الجماعات المحلية للقيام بالمهام الإدارية المطلوبة منها . والظاهر أن هذا المنطق هو السائد في السلوك الحكومي ، وردات الفعل اتجاه بعض القضايا تؤكد هذا المسلك ، وان تأخير صدور قانوني البلدية والولاية ، راجع في الأساس إلى الاختلاف المطروح في الرؤى حول مسألة الصلاحيات ، فحزب جبهة التحرير الوطني ، يفضل إعطاء المجالس المنتخبة كل الصلاحيات القانونية التي تمكنها من لعب دورها ، والتكفل بقضاياها المحلية ، هذا الموقف ينسجم مع تطلعات المجتمع ، ويتلاءم مع روح ترقية العمل الديمقراطي ، واختيار الأسلوب المعتمد على اللامركزية. وبالمقابل موقف التجمع الوطني الديمقراطي الذي يتبنى الاتجاه الداعم لصلاحيات الوصاية الإدارية المحلية، على أساس أنها الضامن لإدارة الشأن العام ، وتجنب الانحرافات المسجلة على مستوى التسيير. وفي الواقع أن اسلم منهجية نتعامل بها مع إخفاقات التسيير الناتجة من ذلكم الانحراف عن النصوص ، والتلاعب بمضامينها ، أو الفعل المزاجي المحدد للكثير من السلوكات الرعناء لدى المنتخبين أو غيرهم ، هي أن نطرح الإشكال القائم وفق معيار شمولي ، يسمح لنا بفهم الوقائع ، والإلمام بطبيعتها وهويتها ، وهذا يسهل عملية إيجاد الصيغ التنظيمية ، والآليات الكفيلة بتدارك هذه النقائص دون الإضرار بالمؤسسات. الانحراف يظل مطروحا ، والتلاعب بالنصوص أثناء ممارسة لعبة الصلاحيات يبقى كذلك أمرا قائما ، لذلك لايمكن فصل المسألة عن واقع الحال حول الكيفية التي يتعاطى بها المنتخب آو غيره من خلال السلوك الذي يتصف به هؤلاء ، ودرجة وعيهم وقناعاتهم ، والمقاربات الثقافية التي تصيغ القيم الأخلاقية التي يؤمنون بها ، ومن هنا  فالأمر لانحصره في نطاقه الضيق ، علينا أن نخضعه إلى رؤية اشمل ، من حيث ضرورة  موقعة هذا السلوك ، كظاهرة انحرافية ، يفصل فيها القانون ، وعلى المؤسسات القضائية ، وحتى المؤسسات المدنية ، القيام بدورها كاملا ، والتعامل مع أي انحراف بصرامة وجدية ، لان أي تساهل اتجاه هذه الانحرافات ، يكون له الأثر السلبي على بنية المؤسسات ، وعلى تعاطيها وتفاعلها مع حاجات المجتمع ، وفي نفس الوقت يفسح المجال أمام النفوس المريضة في التمادي ، ومحاولة التموقع داخل المؤسسات السياسية والإدارية بحثا عن النفع ، والمصالح الخاصة . من المؤسف القول بأن هذا هو واقع الحال ، الذي يعصف بمصداقية الكثير من المؤسسات .                                                                  


3- دور الأحزاب السياسية


الحزب تنظيم سياسي ، يستقطب مجموع المناضلين الذين تؤطرهم قناعات سياسية معينة، والنابعة من جملة المبادئ التي تأسس الحزب وفقها ، والمدرجة ضمن مواثيقه الأساسية ، وبهذا المفهوم ،يشكل الحزب معلما ، ومكانا للتنشئة، والتربية السياسية ، التي تمكن مناضليه من اكتساب القدرات والمهارات السياسية ، والإدارية، التي تؤهلهم على تمثيل حزبهم ضمن الهيئات والمؤسسات المختلفة بالدولة.                                                               


إن طبيعة النشاط الحزبي، وروح التنافس النضالي فيه، والبحث المستمر عن أفضل الأساليب النضالية، والبرامج السياسية القادرة على عكس انشغال المجتمع وطموحاته، والقدرة على تكوين كوادر بشرية ، والانضباط الإجرائي السياسي والأخلاقي ، كلها عوامل وركائز، تساهم في إيجاد نخبة سياسية ، مؤهلة وقادرة على التسيير ، حائزة على مقومات الاستجابة الايجابية ، مع كل القضايا التي تواجهها ميدانيا .                                                               


واقع الأحزاب في بلادنا لايٌقْدم على هذا الفعل التكويني في صالح مضمونها البشري ، بالرغم من توقع ذلك ضمن سياساتها الداخلية ، وخططها المرتبطة بالتكوين السياسي ، ومن هنا نلاحظ تلك الهشاشة ، ونقص التكوين ، وعدم الاستعداد ، للطقم البشرية المترشحة لعضوية المجالس المنتخبة ، وغالبا ما نجد الدافع في ذلك ، لاينسجم مع حاجة التسيير التي تتطلبها الجماعات المحلية، وان روح التنافس مصدرها النفع الخاص لاغير، وانعدام التكوين ، وطبيعة عمل هذه المؤسسات ، هو الذي يجعل المنتخبين عرضة للأخطاء ، والانحراف .                


من هنا لايمكن إلقاء اللوم كلية، على سلوك الوصاية الإدارية ، وتعاملها بحزم في الكثير من القضايا الخاصة بتصرف المنتخبين ، وإحالة جزء منهم على الهيئات القضائية ، فالمسئولية تقع أولا على عاتق الأحزاب السياسية التي فشلت في اختيارها للمناضل المناسب ضمن القوائم الانتخابية ، وفشلت أيضا في سياساتها التكوينية اتجاه مناضليها ، كونها لم تقدم لهم الأدوات الضرورية التي تجعلهم مؤهلين في تحمل المسئوليات ، والتكفل بشكل مرض ، وسليم ، في تسيير الشأن العام  وبهذا ، فالأحزاب السياسية أعطت المبرر لأصحاب الاتجاه المشكك في قدرة المنتخبين على تسيير الجماعات المحلية.                                          


الاستشكال في عمومه ينحصر في غياب متابعة دائمة للطقم البشرية الممثلة لفئة ما نسميه بأعوان الدولة، وهم مجموع العاملين في تأطير المؤسسات المديرة للشأن العام ، سواء كانوا موظفين أو منتخبين ، متابعة ترتبط بالتأهيل ، والتزود بالمعارف المتجددة يوميا ، واكتساب المهارات المهنية العالية ، والتكيف مع أساليب التسيير الحديثة ، عمل كهذا يتحتم أن ينخرط ضمن استرتيجية رؤية شاملة ترمي إلى تحديث المؤسسات ، وجعلها قادرة على مواكبة كل الأحداث المستجدة ، وتكييف النصوص التشريعية ، لتنسجم مع هذه الغاية ، والتي توفر معايير اسناد المسئولية ، والتي لها علاقة بالتدبير السياسي.                                   


فالأحزاب السياسية ملزمة بتبني خطة تكوين مستمرة ، واضحة المعالم والأهداف ، لتهيئة مناضليها وتنشئتهم وفق ما يقتضيه دورهم ، ضمن الهيئات السياسية والإدارية ، وانخراط مناضلي الأحزاب في عملية كهذه مؤشر ايجابي يسمح لهم بالترقية ، وتنمية معارفهم ، ويمكن القيادات السياسية من الاختيار السليم لمن يكون اهلا للمهام المنتظرة. وان المجهود التكويني الحالي المنظم من جانب الوصاية الإدارية أو الأحزاب غير كاف ويحتاج إلى خطط أكثر وضوحا من جانب أهدافها، ومضامينها، واستهدافاتها ، وتحفيزاتها، ويتسم بالدقة والأسلوب ، وهما شرطا نجاح عملية كهذه ،وبهذه الترتيبات الحازمة نضمن استقرار المؤسسات ، ونضمن فعاليتها وقدرتها على الفعل الخدمي المثمر، وبالتالي تنحصر المشاكل  ، ونزيل مظاهر الانحراف – التي تسببت في إهدار القدرات المحلية – ونضمن تفعيل الجماعات ، وتثمين دورها ، كبنية أساسية تعطي للدولة حيوية في تنشيط برامج تنميتها ، فلا يمكن إهمال دور المنتخبين ، في هذا التنشيط ، بحكم نزعة التمثيل ، التي يتصفون بها، وبحكم المرونة التنظيمية ، التي يتيحها القانون لهم .                       


4- اللامركزية وقانونا البلدية والولاية                                    


لامركزية التسيير اختيار أملاه تطور حاجات المجتمع وتشعبها ، وصعوبة التحكم في كل القضايا المطروحة ، وضعف الاستجابة الحينية لها ،على المستوى المركزي، ومن هنا كان لابد من صياغة القوانين المنظمة للجماعات المحلية بما يتلاءم مع هذا الواقع الجديد .                                                          


فالتنظيم الإداري الإقليمي أثناء الفترة الاستعمارية، وُضع على أساس أهداف عسكرية اقتضتها حاجة المستعمر الفرنسي، فجاء – التقسيم الإداري الوارد ضمن الأمر الصادر في15افريل 1845م الى صدور المرسوم رقم 56-601 المؤرخ في 28جوان 1956م، المتضمن الإصلاح الإداري في الجزائر- متناغما مع الإرادة الاستعمارية  ومقتضيات الهيمنة على مختلف الأقاليم الجزائرية ، بما يحقق سياستها، ويخدم مصالحها ، وليست هناك اية رغبة استعمارية تراعي في هذا التنظيم حاجة السكان من الجزائريين ، فمع نهاية الحقبة الاستعمارية كانت الجزائر تضم في تنظيمها الإداري الإقليمي 15 عمالة(ولاية) و 91 دائرة(1) هذا التوزيع الذي صاغته الإدارة الفرنسية يعكس روح السيطرة التنظيمية الكاملة على تسيير الأقاليم وفق صيغة عدم التركيز الإداري ، بحيث أن هذا النظام لم يحمل صورة تراعي اهتمامات محلية ، ولكنه ذهب في اتجاه خدمة مصالح المستعمر الرامية إلى المزيد من الضغط والهيمنة المنسجمتين مع خطط التدمير لكل المقومات المميزة للشعب الجزائري. فالسلطات الواسعة الممنوحة لعامل العمالة في جميع المجالات تسمح له بتنفيذ سياسة السلطة الاستعمارية العليا ، وان استعانته بهيئتين ، وهما مجلس العمالة المكون من موظفين معينين من الحاكم العام ، وأيضا المجلس العام المؤلف من عضوية اعيان معينين ، وفيما بعد بعضوية منتخبين وفق قانون 1908م بنسب متفاوتة في التمثيل بين المعمرين والأهالي(2) ، فلم تكن هذه الهيئات إلا مجرد أدوات توظيفية لا تأثير لها على مناحي الحياة ، ولا يمكن لها أن تشكل قوة توجيه القرارات وتصويبها.   


إن صورة التنظيم الإداري هذه، التي أوجدها الاستعمار، اقتضت تجسيد جملة من الغايات التي عكست السياسة الاستعمارية الرامية إلى التحكم في القرارات مركزيا، نذكر منها:                                                             


1 – اعتماد نظام العمالات قي توزيع الأقاليم ،وبهذا تم في البداية إقرار تقسيم بموجب الأمر الصادر في 15/04/1845 الذي قسم المنطقة الشمالية من الجزائر إلى ثلاث عمالات خاضعة للسلطة المدنية وهي الجزائر ووهران            وقسنطينة. أما القسم الجنوبي تم إخضاعه مباشرة تحت السلطة العسكرية


2 – انتهج نظام العمالات صيغة عدم التركيز الإداري خلال الفترة الاستعمارية ، المعدل بداية من سنة 1956 بموجب الإصلاح الإداري بالجزائر الذي أضاف عمالات جديدة ، موزعة إلى أقاليم إدارية ، تابعة لكل عمالة على شكل دوائر، وأعطى صلاحيات واسعة لهذه العمالات، تماشيا مع نزعة التحكم في تنفيذ السياسات الاستعمارية.


3 – جعل كل صلاحيات تسيير العمالة تحت سلطة العامل الخاضع لسلطة الحاكم العام بالجزائر والتي يمارسها بمساعدة نواب له على مستوى الدوائر كمناطق إقليمية بالعمالة. 


إن هذا التصور في البنية التنظيمية أسس في صياغته القانونية ، وضبطت قواعده استجابة للأهداف الاستعمارية التي رمت إلى ربط الجزائر بفرنسا ، وجعلها اقليما إداريا تابعا لها ، يخدم السياسات الفرنسية ، ويلبي حاجة المجتمع الفرنسي ، ويقصي من حساباته كل ما يناقض ذلك ، ومن هنا جاء في ثوب لايراعي المصالح المحلية للجزائريين ، ولا يعكس انشغالاتهم ، وبالتالي يبقى نموذجا غريبا يجسد طموحات أخرى غير تلك التي يطمح أليها الشعب الجزائري .                 


الجزائر وجدت نفسها بعد الاستقلال أمام تحديات اجتماعية واقتصادية وثقافية، آلياتها التنظيمية غير متوفرة ، من اجل مواكبة مسار أحداثها ، ولذلك لجأت السلطة آنذاك إلى إحداث تغييرات ضمن البنية التنظيمية والتشريعية الموجودة  والسعي إلى تطويرها بما يوافق المتطلبات الجديدة ، فعمدت إلى دعم صلاحيات الوالي ، مع السعي إلى ضمان تمثيل شعبي ،بواسطة لجان عمالية جهوية للتدخل الاقتصادي والاجتماعي، تضم المصالح الإدارية وممثلين للسكان معينين من طرف الوالي ،الذي تعود إليه صلاحية رئاسة اللجنة ، وفي الواقع أن ” تلك اللجان في حالة وجودها لم يكن لها سوى دور استشاري بالمصادقة على ما يقدم لها من مشاريع وقرارات من طرف عامل العمالة (الوالي) الذي بيده  كل السلطات والاختصاصات الواسعة لمواجهة الوضعية العامة السائدة بالبلاد آنذاك (3)”.

فواقع التسيير الإداري للولايات ، أبان بشكل واضح أن هذه اللجان هي مجرد هيئات استشارية تصادق على القرارات التي يقدمها والي الولاية ، وليس بمقدورها ولا من صلاحياتها فرض قرارات بعينها . وهذا الأمر ينسحب أيضا على صورة مجلس العمالة الاقتصادي والاجتماعي ، الذي جاء على اثر الانتخابات البلدية في سنة 1967م ، والمكون من جميع رؤساء المجالس الشعبية البلدية بالولاية، يضاف إليهم عضوية ممثل عن كل من جبهة التحرير الوطني ، والاتحاد العام للعمال الجزائريين ، والجيش الوطني الشعبي ، هذا المجلس عوض اللجنة الولائية السابقة التي اشرنا إليها أعلاه ، وما تغير كون هذا المجلس أصبح يرأسه منتخب من بين أعضائه ، وبالرغم من توسع نطاق النقاش داخل هذه الهيئة ليشمل كل القضايا التي تهم شئون الولاية ، إلا أن دوره لم يتعد مجال الاستشارية .

الجزائر المستقلة ، ذات المؤسسات الفتية ارتبطت مسيرتها بمحاولات العمل على تطوير أساليب التسيير ، والعمل على التحكم في تدبير الشأن العام ، مما حذا بها إلى إصدار الأمر رقم 69/38 المؤرخ في 23/05/1969م والمتضمن قانون الولاية ،يبقى هذا النص القانوني بالنسبة للدولة الجزائرية يشكل مصدرا تاريخيا يصيغ تنظيما ولائيا للجزائر ، يبرز المعالم الأساسية  لطبيعة إدارة شئون الجماعات المحلية ، ولكنه لم يتخلص من طبيعة التنظيم الإداري الفرنسي ، بل تأثر به ، وعكس الكثير من ظلاله ، التي تمثلت بالخصوص في أسلوب توزيع المهام والصلاحيات على مستوى الهيئات ، التي تم إقرارها من خلال هذا النص ، والتي تشكلت من مجلس شعبي ولائي منتخب  ، وهيئة تنفيذية تضم مديري مختلف قطاعات الأنشطة الولائية برئاسة الوالي ، والوالي كممثل للسلطة المركزية ، الحائز على سلطة الدولة بالولاية، والمعين من طرف رئيس الجمهورية ، والذي أسندت له سلطات واسعة تسمح له باتخاذ القرارات دون أن تنازعه فيها هيئة أخرى.

يظل التنظيم الولائي يسير بنفس المميزات الهيكلية ، ونفس النمط التسييري الذي تبقى فيه كل الصلاحيات ممركزة عند سلطة الوالي ، وعند ما كانت الجزائر تواجه تشعب المطالب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، وصعوبة التحكم في إدارتها ، حاول التشريع الجزائري بعد اقرار دستور 1976 م، أن يمنح سلطات الرقابة الشعبية للمجالس الشعبية الولائية ، من اجل الانتقال إلى وضعية أكثر انفتاحا على المجتمع ، ولكن هذا التطور في المبدأ ، لم يعرف تجسيدا ضمن صيغ تنظيمية ، ولا تمظهرا إجرائيا في الواقع ، إلا من خلال النقاشات الساخنة ، التي كانت تدور بين أعضاء المجالس ، والهيئات التنفيذية الولائية تحت سلطة الوالي، دون أن تجد طريقها في تغيير واقع سير الجماعات المحلية ، ولذلك يظل هاجس تسيير الشأن العام المحلي قائما ، وتظل المجالس الشعبية المحلية أسيرة ، لهذا الوضع السائد ، التي تتفاقم مشاكله مع مرور الوقت ، لان مسألة الحسم بشكل جدي وعقلاني لم تنضج بعد ، أو لان حال الحكم لم يجد طريقه بعد في انتهاج أساليب أكثر انفتاحا ، وأكثر تجاوبا مع متغيرات الوضع المحلي والإقليمي والدولي ، الذي يسير بشكل سريع بحكم تطور آلياته وأدواته.

علينا أن نواجه التحديات بسلوك متنام ، ومتناغم مع المعطيات الذي يفرزها الواقع ، وان نعطي للمجتمع حقه في التكفل بقضاياه ، من خلال آليات تنظيمية ترفع العبء عن أجهزة الدولة ، ويكون للتمثيل الشعبي أحقية العمل على تنمية أساليب تدخله في التسيير ، والاستجابة لمتطلبات التغيير والتطور.

إن لامركزية التسيير ،التي تجعل المجالس الشعبية المحلية ،أمام مسئولية رعاية الشأن العام ،من خلال الخدمة العمومية ومتطلباتها ، هي وحدها الكفيلة بضمان التحكم ، في مختلف المجالات تماشيا مع منطق الواجب والحق ، وضرورة إعطائها فرصة الخروج من دائرة الوصاية الإدارية الضاغطة ، التي كثيرا ما جعلت نفسها في موقع المتهم الأول في تسجيل كل إخفاقات التسيير ، وبقيت ملاذا تلقى عليه كل السلبيات .

أمامنا فرصة سانحة لتعديل قانوني البلدية والولاية، بما يستجيب مع هذه المتطلبات وان تتحمل الأحزاب السياسية مسئولياتها التاريخية في اختيار كوادرها المنتخبة ،القادرة على تحمل عبء المسئولية.

ينبغي أن نخرج من هذه الدائرة المغلقة التي نتبادل فيها التهم ، وان نعطي الفرصة أمام القضاء ، ليلعب دوره في صيانة القانون الجمهوري وإحقاق العدل في الحفاظ على المال العام ، أمام أي استهتار أو تهاون ، وحينها نصل بالتدريج إلى تجسيد التوازن بين الهيئات وكل من ينتسب إليها بحكم الموقع الذي يحتله. فلا يمكن مواصلة نزعة التستر الممارسة من جانب الإدارة الوصية، التي تعمد إلى جعل سلوك المنتخب كذريعة لتشويه، مزايا اللامركزية، لأنه في كل الحالات تبقى الأخطاء قائمة هنا وهناك، ومواجهتها يكون مجالها القضاء، وليست نزع الصلاحيات وتحويرها إلى وجهة أخرى.

بحكم تجربتي ، أؤكد  على أن المجالس المنتخبة القاعدية ، تشكل أدوات فعالة في سير الجماعات المحلية، وفق نظام مرن يعطيها الإمكانيات والصلاحيات ويوفر لها قدرة التعاطي مع متغيرات الواقع المحلي وتشعبه ، لان المداولة تبقى الوثيقة الجوهرية التي تغطي الفراغات التنظيمية ، وتعطي للعمل حيوية البقاء والتعايش مع كل القضايا المطروحة.

 

 

1- قانون الإدارة المحلية الجزائرية – محمد الصغير بعلي – دار العلوم – الجزائر 2004م- ص 111 وما يليها.

2- نفس المرجع السابق بتصرف – ص 180

3 – نفس المرجع السابق بتصرف – ص 181 وما يليها

 

ads-300-250

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.