زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

الجزيرة: عقدان من الإثارة والجدل

الجزيرة: عقدان من الإثارة والجدل ح.م

احتفلت قناة الجزيرة القَطرية بمرور عشرين سنة على انطلاقتها الأولى، محاولة إعادة الكَرّة بصنع ذلك الإبهار والصدمة من جديد عبر حُلّة جديدة، يبدو من خلالها ذلك الجهد المالي والتقني والبشري، خصوصا بعد تراجع نسبة مشاهدتها، وشراسة المنافسة من عشرات القنوات العربيّة، لم تسمح لها بالإنفراد الذي تمتّعت به في بدايتها قبل عقدين من الزمن، حيث كانت الفضائيات بعدد أصابع اليد.

وكون الجزيرة ليست مجرّد قناة تلفزيونيّة، بل هي مخبر إعلامي للسياسة القَطريّة، وغرفة عمليّات دعائيّة في حرب إيديولوجيّة على المجتمعات العربيّة، يقف خلفها المال القَطري الوفير، الذي أصبح يجلب موجات من الإعلاميين والإعلاميّات، حيث يتقاضى الإعلامي أضعاف ما كان يتقاضاه عندما جاء من بلده بائسا، لخدمة إيديولوجيّة الجزيرة التي هي جزء من توجّه القصر الملكي في قَطر، وامتداداته الإقليميّة والدوليّة، هذا البلد الصغير مساحة ونسمة الذي يقع تحت جناح قاعدة عسكرية أمريكيّة، ويمتلك ثروة طائلة، بفضل عائد الغاز والبترول، حاول بناء طموح سياسي خلف حضور إعلامي مثير.

هي تجربة تستحق التنويه، جعلت من قطر رغم صغرها ورجعيّة نظامها السياسي مع أي بلد عربي آخر إلى قُطب إعلامي ودعائي، ولكن منذ الشهور الأولى لانطلاق الجزيرة مع صورتها المُبهرة وصدمة الإثارة التي أحدثتها واجهت أسئلة جوهريّة حول مضمونها الإخباري وخطّها الإعلامي…

هذا الحضور الإعلامي، بدأ بالجزيرة وواصل مع قنوات الرياضة التي تحتكر البث الرياضي، مرورا بالمطبوعات والجوائز الثقافيّة، في سياسة عامّة للسيطرة على صناعة الرأي العام العربي واحتواء النخب العربيّة، وهي تجربة تستحق التنويه، جعلت من قطر رغم صغرها ورجعيّة نظامها السياسي مع أي بلد عربي آخر إلى قُطب إعلامي ودعائي، ولكن منذ الشهور الأولى لانطلاق الجزيرة مع صورتها المُبهرة وصدمة الإثارة التي أحدثتها واجهت أسئلة جوهريّة حول مضمونها الإخباري وخطّها الإعلامي وأهدافها الإيديولوجية التي تسعى إلى خدمتها، فالأكيد أنها لا تسعى فقط لشعارها: الرأي و الرأي الآخر، ولا مجرّد الخدمة الإعلاميّة للعالم العربي، بل تجاوزت ذلك إلى منهجيّة دعائيّة مثيرة وفاعلة في تشكيل منظور العالم العربي، ولكنها واجهت الوعي الناقد للعالم العربي والإسلامي المشكك في براءة الجزيرة وأهدافها النبيلة، بسبب مجموعة من الحقائق التي تختزلها أهم الأسئلة والإشكاليات، ولكن قبل مناقشتها نشير إلى الوجه المُشرق للجزيرة، الذي تمثّل في فتح الآفاق للنخب والشخصيات العربيّة التي عانت من التهميش، وفتحت للمواطن العربي لغة إعلاميّة جديدة بعد أن أثقلته لغة الإعلام الرسمي الخشبي، وسجّلت جولات من المواقف الإعلاميّة في أحداث مختلفة بفضل ذلك الحضور وتلك المواكبة.

الجزيرة والتطبيع:

وجد أولئك الصهاينة المجرمين أنفسهم يدخلون بيوت نوم العرب من المحيط إلى الخليج، بفضل قناة الجزيرة…

إنّ إشكاليّة التطبيع لاحقت الجزيرة منذ انطلاقتها بسبب لجوئها إلى الاتصال المباشر مع القيادات والنخب السياسيّة والعسكريّة الإسرائيليّة، وبعدما كان الإسرائيليون يَحلمون أن يُصافحهم نائب وزير عربي معتوه، وجد أولئك الصهاينة المجرمين أنفسهم يدخلون بيوت نوم العرب من المحيط إلى الخليج، بفضل قناة الجزيرة، التي فتحت لهم الفضاءات العربية الواسعة، وعبارات المجاملات: شكرا لك سيدي، كان معنا من تل أبيب، ضيفي من إسرائيل…
ومع الأيام أصبحت تلك الوجوه المثيرة للنكد من القتلة مع صحفييها المثيرين للشفقة مألوفة عند المشاهد في العالم العربي، فالإسرائيلي وجد في هذه القنوات نافذته إلى المجتمعات العربيّة، بل إلى الأسرة العربيّة، التي لم يكن ينقصها فقط أن تسمع كل ليلة لأحد المجرمين الصهاينة وهو يلفّ ويدور حول جريمة موصوفة وواقع فلسطيني معروف ليُنغّصوا على المواطنين في العالم العربي يومياتهم ولياليهم، وهذا الخرق الإعلامي الذي وفّرته الجزيرة هو خرق ثقافي وفكري منح قابليّة للتطبيع في الفكر الجمعي العربي، وقابليّة سحب القضيّة الفلسطينيّة من أولويات القضايا العربيّة والإسلاميّة، بمجرّد أن تحوّل هذا الصهيوني إلى ضيف دائم على موائدنا وغرفنا بسبب سياسة الجزيرة، وخلفها سياسة قَطر التي دخلت نفق التطبيع السياسي والتجاري قبل انكفائها.

الجزيرة وقَطر:

لم تستطع الجزيرة تجاوز السياسة القَطرية، بما رهن كل مصداقيتها ومهنيتها، بسبب أن الجزيرة التي منحت لنفسها الحق في تشريح الواقع العربي والتحريض عليه، بلدا بلدا، وقفت عاجزة عن الهمس ببنت شفة عن أوضاع الخليج عموما، وأوضاع دولة قَطر خصوصا، بما أسقط كل إدعائها حول الانتصار للديمقراطية أو حقوق الشعوب، لأن الجميع يعلم أنّ الأنظمة الملكية في الخليج لا تحمل أيّ مواصفات ولو بحدّ أدنى للديمقراطية أو حقوق المواطنة، وعندما كانت تقدّم لنا الدروس في الحرية، كان مواطنون قطريون على بُعد أمتار منها يُسجنون بسبب أبيات شعريّة، وكان المواطن القَطري محروما من أي حق في المشاركة السياسية في بلده، وكانت قاعدة أمريكيّة تستولي على الأجواء والأمن القَطري، ليطل عليك كل ليلة أحد سحرة الإعلام في الجزيرة أو إحدى جواريها، ليمنحك درسا في الحرية أو العروبة أو الإسلام ويُحرّضك على أنظمة عربيّة أخرى وكأنه يطل من واحة من واحات الديمقراطية وحقوق الإنسان !!! وينسى أنّه يُكلّمك من دوحة قَطر وليس من سويسرا، وهذه الانتقائية في التعامل مع الملفات الوطنية العربيّة بخّر مصداقيتها بشكل تراجيدي، لأن المواطن العربي اكتشف مع الوقت أن الجزيرة تستخدم الأسلوب الدعائي لتصفيّة حسابات وخدمة إيديولوجيّة تتناسب والسياسة القَطريّة، بما جعلها في الأخير مُجرّد قناة رسميّة بوجوه محترفة مقابل أجور ماليّة.

الجزيرة والفوضى العربيّة:

منذ انطلاق ثورات الربيع العربي، الذي تحوّل إلى فوضى عارمة، اجتاحت العالم العربي، ركبت موجاته جماعات التكفير والتحريض الطائفي، لتلتحق قوى دوليّة فتزيده تعقيدا في إغراق مجتمعاته في حروب أهليّة، للأسف الشديد لعبت القوى الدينيّة والإعلاميّة دور حمّالة الحطب في تحارب عبثي، أضعف الأنسجة الاجتماعية، و المؤسسات العسكريّة، بما أنتج مجتمعات وكيانات منهكة، لصالح السيد الأمريكي والإسرائيلي المرتاح، ليتفرج على أحداث داحس والغبراء، ويُعيد صياغة سايس بيكو بنسخته البلفوريّة الجديدة، وكانت الجزيرة أحد أكبر الوسائل الإعلاميّة إثارة في هذا الواقع العربي البائس، الذي عوض أن يُنتج إعلاما تنويريا ينتصر للمصالحات وللسلام والحياة والتفاعل الفكري والبناء الحضاري، تدحرج إلى إعلام العصابات والثارات وغزوات الطوائف والجماعات الهوجاء، فسخّرت الجزيرة إمكانياتها لهذا التحريض، وسقطت في فخّ استسهال أن التغيير في العالم العربي يُمكن الوصول إليه بمجرّد ضخ إعلامي، متناسية عوامل واقعيّة وجيوسياسيّة، تتجاوزها وتتجاوز أمنيات أمرائها.
إنّ في ظل غياب إعلام عربي مستقل وجامع، تأتي القنوات الوطنيّة في كل بلد عربي بأطقمها الشابة، ليس فقط لبناء وعي وطني وإنّما لمنح المواطن خيارات متعدّدة تنقذه من ضخّ إعلامي أحادي، مهما كانت إيجابياته فإنّ الإدمان عليه هو شكل من أشكال التضليل وتزييف الوعي، لأن وسائل الإعلام و فتاوى الدين أصبحت جزءا من اللعبة السياسيّة العربيّة وإيديولوجيّة المحاور والجماعات، بما أنتج جوا من الاستحمار الفكري، في ظل واقع عربي غوغائي، يحتاج إلى وقفة تأمل ومراجعة لخطابنا الديني والسياسي والإعلامي.

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

2 تعليقات

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

  • تعليق 6113

    عشراتي الشيخ . الجزائر

    Chikh Achrati
    3 h ·
    غباء
    غباء أن تنتظر، من وسيط إعلامي ما، الدفاع عن قناعاتك و ما تؤمن به؛ بدعوى أنه الحق و المنطق و..و…
    من حق الذي يدفع من حرّ ماله أن يوجه “البروباڨاندا” إلى حيث تخدم مصالحه و توجهاته، سواء كانت حقا أو باطلا… سواء أعجبتك أم لم تعجبك: هو صاحب المال.
    الذي يمكنك فعله. و بإمكانه أن تفعله؛ هو أن تبني وسيطا إعلاميا شبيها أو متفوقا على “مالايعجبك”. ليس من المنطقي المبرَّر أن تسبّ الموجود و بإمكانك تعويضه. الرشاد يقتضي أن تسعى إلى طبع جريدة أو تكوّن مجمعا إعلاميا يتوَلى الترويج لإفرازاتك أنتَ. و الوسائل متاحة: المال لا يعوزك، و الكفاءات معروضة في السوق، (و كل قلم و ثمنه)، و التكنولوجيا سهّلت كل مستعصٍ.
    ما ذا ينقص إذن؟
    الذي يعوز الحكام هو التفكير السوي: فلا يُنتظر الخير من حاكم ما زال يمنع جريدة ورقية من الدخول إلى سلطنته بعد أن تعرضت لذاته الملكية. كيف لواحد بهذا المستوى من التفكير أن يسوس دولة و يخطط لمتستقبل بلد؟
    طبعا، نفس الغباء سيوَجّه لي نفس الاتهام بدفاعي عن “الجزيرة”. و “الجزيرة” لن تحتاج إلى مدافع مادام صاحبها على قناعاته و سيور الصُرة في يده. الذي أردت طرحه هو سؤال بديهي: ما منع “أعداء الجزيرة” من خلق “جزر” أخرى؟

    • 0
  • تعليق 6114

    عشراتي الشيخ . الجزائر

    هذه كتبتها صيف 2014، أيام دكّ غزة:
    —–

    قطر، هبة “الجزيرة”
    أي مشهد كنا نعيشه لو لم تكن “الجزيرة”؟ .. بعبارة ثانية، لو أننا اكتفينا بالمعروض يوميا في القنوات العربية و الرومية، المغطية للجاري في غزة، هل كنا رأينا الذي حدث في “الشجاعية” مثلا؟ .. تابعت ليلة كاملة المبثوث، أو قل المنفوث عبر محطات فرنسا، و خرجت بقناعة أن الرأي العام الفرنسي أنهكه الكذب المتواصل منذ ستين عاما. و أن البروباڨاندا الصهيونية وصلت إلى مداها لأنها بالغت في التعتيم المفضوح من قبل…. من قبل “الجزيرة”.
    لأن التبريرات، المدفوعة الأجر، أعطت، حسب المعروض على “الميديا الحقيقية”، التواصل الاجتماعي. أعطت عكس المرجو منها: هناك تزايد في اقتناع الرأي العام الغربي بأن “الجزيرة” هي المصدر القريب من الحقيقة. أو هو الأقرب. و تظاهر اللندونيين أمام البي بي سي، مؤشر على الضجر من إعلام أنهكه الضغط الصهيوني.
    لذلك لا أملك إلا مباركة “غِـيرة الضرّات”، الحاصلة في حريم الأمريكيين، بين مشيَخات الزيت، المفضية إلى الإبقاء على فضاء “الجزيرة”.
    و لأن أمير قطر فهم، قبل زملائه، أن امتلاك الميديا يعادل، أو يفوق، الراجمات و الصواريخ، فقد مكّن لبلده أن يصبح، كما عبر عن ذلك الصحافي حسان زهار، أن تصبح قطر هبة “الجزيرة”، تيمنا بما قال ّهيرودوت”، من أن مصر هبة النيل.
    تغطية الجاري الآن في غزة عرّى كل المتنطعين، ممن عمّروا لسنين الفضائيات، كــ”أخصائيين” في الاستراتيجية. هؤلاء الذين حصّلوا على نياشينهم كإكراميات، فضحتهم “شماريخ” الغزاويين المجهّزة بإصرار المضحّين. كما تعرت الانتلجنسيا العربية، بمثقفيها و صحافييها، المرابطة كل خريف قبالة الأكاديميات الغربية المانحة للجوائز.
    بقي أن ننتظر… ننتظر “صبر الساعة”. و ساعة صبر أمير قطر، على اللعب على حبل مشدود، لن تستمر طويلا؛ فخصوم القضية العربية يعرفون فتك الميديا بهم، و كأني بهم الآن، في غرفة العمليات، يجهزون التجهيزات المجهِزة على نجم “الجزيرة”.

    • 0

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.