لا بد لأسئلة أن تطرح: لماذا غيّرت الجزائر في الفترة الأخيرة أسلوب إدارة علاقاتها الخارجية؟
وهل تلك مقدمات لتغيير عميق في عقيدتها السياسية والعسكرية، أم أنها استحقاقات ظرفية فرضتها ظروف طارئة ومتغيرات باتت شديدة الاحتكاك بالجغرافية الجزائرية؟
من الواضح أن الجزائر بصدد تغيير راديكالي في طريقة وأدوات إدارة علاقاتها الإقليمية، وأن هناك تحوّلاً مهماً في سياساتها والقواعد الحاكمة لها، وتخلياً لافتاً عن أدبيات وأساليب منضبطة، ظلّت تحكم هذه العلاقات، ومستوى من ضبط النفس، بشكل تعتبر تقييمات سياسية في الداخل الجزائري أنه كان مبالغاً فيه، إلى حد أنه كلف البلاد خسارات باهظة على حساب أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية في جوارها بشكل خاص.
من الواضح أن الجزائر بصدد تغيير راديكالي في طريقة وأدوات إدارة علاقاتها الإقليمية، وأن هناك تحوّلاً مهماً في سياساتها والقواعد الحاكمة لها، وتخلياً لافتاً عن أدبيات وأساليب منضبطة، ظلّت تحكم هذه العلاقات…
يخبر إعلان الجزائر قطع علاقاتها مع الإمارات، وقبلها مع المغرب، والقطيعة القائمة مع فرنسا منذ يوليو 2024 (أكثر من سنتين من دون سفير في فرنسا)، وإسقاط طائرة وإغلاق المجال الجوي مع مالي (15 شهراً)، والقرار غير المسبوق بإرسال قطعات عسكرية جزائرية إلى النيجر، أن هناك تكريساً لتوجّه جديد في السياسات الجزائرية، وهذا التوجّه الجديد ضمن سياسة “أغلق الباب وراءك”، سيحتاج بالتأكيد إلى تفسيرات عن الدوافع والملابسات الداخلية والخارجية التي فرضت على الجزائر ذلك، كما إلى دراسة واستشراف التأثيرات الممكنة على تفاعل الجزائر مع محيطها الجغرافي والسياسي، وفي علاقة بمصالحها أيضاً.
منذ عام 2019 على الأقل، ومع المتغيّرات السياسية التي حملها الحراك الشعبي، بدا أن السلطة الجديدة اصطدمت بمخلّفات سياسية واقتصادية قاسية، نتيجة سياسات سابقة سمحت برهن مصالح الجزائر الداخلية والإقليمية، ووضع مقدرات حيوية بين يدي دول بعينها تحت يافطة الاستثمار، والذي لم يكن سوى عنوان مضلل.
وكانت أي خطوات لمعالجة هذه الآثار، وأي محاولة لتصحيح الاختلالات واسترجاع المصالح الجزائرية، تصطدم بمصالح دول وأطراف كانت مستفيدة بشكل أو بآخر من السياسات السابقة على الصعيد المحلي، وبما فيها النأي عن الأزمات والتزام عدم التدخّل على الصعيد الإقليمي.
@ طالع أيضا: موقف محرج
بخلاف ما يعتقده كثيرون، فإنّ الأزمات التي طرأت بين الجزائر ودول عدة، لم تكن دوافعها كلها سياسية أو أمنية ذات علاقة بمحاولة المساس بالمصالح العليا والاقليمية للجزائر
بالضرورة، ليس سراً أنّ المصالح الاقتصادية والمسائل ذات الصلة بالتجارة والموانئ والشركات والاستثمارات المقنعة والأموال المهربة والمشروعات الطاقوية الاقليمية، تشكّل أيضا النقطة المركزية في ذلك، فضلاً عن أنه لم يعد أي معنى في الوقت الحالي للفصل بين الاقتصاد والسياسة والأمن القومي.
وقد تداخلت المحاور هذه وتشابكت إلى حد كبير، وهذا ما يفسر المتغيرات الجديدة للجزائر في الدفاع عن مصالحها باستخدام الجيش في المجهود السياسي الإقليمي، وتصعيد الصرامة السياسية إلى حد حسم العلاقات مع الدول التي تتصادم مصالحها مع الجزائر.
السؤال القائم هو: إلى أي مدى يمكن أن تذهب الجزائر في هذا المنحى والمتغير الجديد في إدارة وضعها وعلاقاتها الإقليمية، خصوصاً مع التحديات المتزايدة في جوارها وتعدد أطرافها، وهل تملك الإمكانية المادية والسياسية لذلك؟ قد يكون تصريح سابق للرئيس عبد المجيد تبون في أكتوبر 2021، جواباً مبكراً عن سؤال متأخر، حول سياسة “أغلق الباب وراءك”، في معرض حديثه عن حدية المواقف الجزائرية إزاء بعض الدول، بقوله “من يبحث عنا يجدنا، وإذا بدأنا فلن نتوقف ساعتها”.
@ مقال سابق للكاتب: تحولات في العقيدة العسكرية الجزائرية
تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.