زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

الإعلام الجزائري.. بين التحقيق والتسويق

الإعلام الجزائري.. بين التحقيق والتسويق ح.م

ما نعيشه اليوم هو معركة إعلامية حقيقية بين الحق والباطل الذي وجد منابر مفتوحة لبدء عمليات التشويه وإشاعة الخوف وتغيير القناعات، وفي محاولة يائسة لزرع الفتنة وتغذية الإساءة مما استوجب دعم الإعلام المضاد بنقل الحقائق كاملة وتوضيح الرؤى ومواجهة التعتيم والتضليل الذي امتد لسنوات.

مصداقية إعلام التسعينيات في الجزائر

ما عاشته الجزائر في تسعينيات القرن الماضي لا يمكن لأي قلم ومهما كان بارعا ومتمكنا أن يوفيه حقه من النقل والوصف، فتلك الفترة كانت بمثابة قطعة من الجحيم على الأرض، ويتحمل الإعلام مسؤولية كبرى وقتها في معاناة الشعب نظرا لطمسه الحقائق وولائه لجهة معينة تموّله وتتحكم فيه كلية وخصوصا أمام غياب الإعلام الاجتماعي، فالمواطن لا يجد معلومة من مصادر أخرى أكثر مصداقية وما يصله من خلال وسائل محتكرة مثل التلفزيون العمومي والجرائد العلمانية منها الناطقة بالعربية ومنها الفرنكفونية فرنكوفيلية داعمة التيار التغريبي وكلتاهما محسوبة على النظام القائم آنذاك، فكان للإعلام الرسمي المهيمن مهمة قرع الطبول بأساليبه البائدة وعلى اختلاف توجهات أشباه الإعلاميين السياسية والأديجيولوجية وتباين عمالتهم وولائهم فقد اتفقوا على مهاجمة كل ما هو متعلق بالهوية الإسلامية وبث براثن الضلال بالتحريض والافتراءات لتتحول الكلمات المسمومة إلى رصاصات قاتلة تصيب الأبرياء فتسيل دماؤهم وتصير مدادا لأقلام في أيد ملطخة لا تخشى العقاب بعدما نالت الحصانة المطلقة.

هنا فقط اتضح مفهوم الشرفاء الوطنيين من رجال الأمن والاستخبارات وقتئذ وهم ليسوا سوى رجال الخوف لما زرعوه من فزع وهلع بين الناس بعربدتهم وسطوتهم وسبهم للذات الإلهية من غير تورع وتصرفات تخدش حدود الحياء وحتى تهديدهم للمدنين بالسلاح بمن فيهم الأطفال حسب ما يرويه شهود عيان..!

إعلام مأجور يدعم ملاحقة الضحايا قضائيا ويبارك قتلهم بل ويتمادى برميهم بتهمة الإرهاب ويتغاضى عن التعذيب في السجون والاختطاف والمقابر الجماعية، ومن أجمل ما أبدع مفهوم “الإرهاب النخبوي” هذا المصطلح المتناقض الذي استوقفني عدة مرات ودفع بي للبحث وعلى مدار سنوات في معناه الدقيق، وكانت النتيجة أنه يقصد به مجموعة من الدكاترة والأساتذة الجامعين والمهندسين، فكان لزاما التعمق أكثر في البحث والتحقيق بالنزول للميدان ومعرفة من هؤلاء لأصدم أنهم من خيرة أبناء الجزائر وما عرف عنهم إلا النبوغ والذكاء والتميُّز فضلا عن حسن الخلق والسمعة الطيبة وبالأدلة الموثقة، إنهم أبناء الجزائر الشرفاء الذين ما كانت ستسمح فرنسا وأذنابها بوصولهم لسدة الحكم وينهوا نفوذ المستعمر، وهنا فقط اتضح مفهوم الشرفاء الوطنيين من رجال الأمن والاستخبارات وقتئذ وهم ليسوا سوى رجال الخوف لما زرعوه من فزع وهلع بين الناس بعربدتهم وسطوتهم وسبهم للذات الإلهية من غير تورع وتصرفات تخدش حدود الحياء وحتى تهديدهم للمدنين بالسلاح بمن فيهم الأطفال حسب ما يرويه شهود عيان وما بقي عالقا في ذاكرتي الطفولية من أيامها، وما يرويه في يومياته منقذ الجمهورية الجنرال السفاح خالد نزار الذي أباح واستباح ومازال يواصل إلى يومنا النباح.

فبكل فخر يتشدق أشباه الإعلاميين أنهم ناضلوا وواجهوا الإرهاب وأصل القضية أنهم من دعمه بأخبار مغلوطة ومحظورات إعلامية تجهز في مخابر المخابرات العميلة ليتم تسريبها مقابل امتيازات مادية، ويواصلون اليوم سلسلتهم القصصية بنشر عناوين مبهرجة مثل: “كان ياما كان.. إرهابي وقنبلة ومحشوشة” بكل وجاهة..!

والأولى بهم أن يلزموا بيوتهم ويصمتوا بعد كل ما نشروه من أباطيل وتحويل الرأي العام وتصوير الجلاد على أنه بطل قومي ومنقذ للوطن وإلصاق تهمة الإرهاب بالأبرياء وكذا وصف الجماعات الإسلامية المسلحة بأنها جماعات بربرية خائنة للوطن ومعادية للمجتمع تمارس جرائم ضد الدين الإسلامي تستحق أن يسلط عليها أقسى العقوبات، ليكونوا شهود زور على مجازر بشرية نكراء مازالت آثارها المؤلمة لحد الساعة.

الإعلاميون الأحرار الشرفاء والذين رفضوا بيع ذممهم فقد لاقوا التضييق والحصار ثم توقيف إصدار صحفهم لأسباب اقتصادية وهي وسيلة الضغط، وحسب ما جاء في الإحصائيات فقد تم تسجيل ما بين جانفي 1992 وديسمبر 1994 تعليق 24 صحيفة، وما بين فبراير 1992 وسبتمبر 1995 اختفت 18 صحيفة..

أما الإعلاميون الأحرار الشرفاء والذين رفضوا بيع ذممهم فقد لاقوا التضييق والحصار ثم توقيف إصدار صحفهم لأسباب اقتصادية وهي وسيلة الضغط، وحسب ما جاء في الإحصائيات فقد تم تسجيل ما بين جانفي 1992 وديسمبر 1994 تعليق 24 صحيفة، وما بين فبراير 1992 وسبتمبر 1995 اختفت 18 صحيفة جلها لصعوبات مالية، كما همشت أقلام حرة رغم كفاءتها العالية ووطنيتها أمثال الإعلامي عمار طالبي –رحمة الله عليه- الذي كتب مقالا منع من النشر بعنوان “من يريد أن يقتل الجزائيين ليحتفظ بالجزائر لنفسه”، بعد تعليق صدور جريدة الموعد في جانفي 1997.

الإعلام يواصل صناعة الأفلام

في 13 نوفمبر 1997 جاءت تعليمة الرئيس اليمين زروال للنهوض بقطاع الاتصال مؤكدة على الحق في الإعلام وحرية الرأي والتعبير ومبدأ الخدمة العمومية، ليستمر أصحاب الطبل في التهليل والتسبيح من مدح زروال إلى الإشادة ببوتفليقة المحلق مع حمامة السلم والسلام، وبعد فترة ولتضارب مصالح بوتفليقة مع حلفائه بدأ الانقسام وتعارض الجبهات وصار إعلام سدنة البلاط منقسم بين قطبين الأول معادي للسلطة رغم أنه والاها لأربع عهدات وصار يسرب الفضائح مثل فضيحة شكيب خليل وسونطراك، أما القطب الثاني فقد واصل مسيرته قي تلميع صورة الرئيس وينفي التهم عن محيطه..

وازدادت وتيرة التصعيد حدة وبدأ أشباه الإعلاميين بالظهور وتحدي الرئيس على العلن وتحرك القضاء وبدء الصراع الشامل ليخرج الشعب رافضا سياسة العبث وسارع المنتفعون من سقوط النظام الذين تم إقصاؤهم بعدما سيطروا على الحكم لسنوات للرجوع إلى مناصبهم محاولين ركوب الموجة وتوجيه الحراك، وازداد الصراع الإعلامي حدة بعد تسارع الأحداث، وصار الإعلام المحلي متجسدا في أربعة أقطاب، الأول ويضم كل المنتفعين الموالين للحكومة السابقة والذي يرى أن زوالها يعني زواله فيناضل بكل استماتة للعودة ولو أنه ضعيف مقارنة بما كان عليه قبل 22 فيفري 2019..

قطب أرامل التوفيق الذي يسعى لإشعال الفتنة بكل السبل فإما أنه يعود للسلطة أو يحرق البلد بمن فيه، ولهذا جند الكثيرين من الداخل والخارج لهذه المهمة باعتماد الضخ الإعلامي، والمشكلة القائمة أن نسبة معتبرة من الشعب تثق بهم وتظن حقا أنهم وطنيين بسبب شعاراتهم الرنانة..

والثاني يمكن تسميته قطب أرامل التوفيق الذي يسعى لإشعال الفتنة بكل السبل فإما أنه يعود للسلطة أو يحرق البلد بمن فيه، ولهذا جند الكثيرين من الداخل والخارج لهذه المهمة باعتماد الضخ الإعلامي، والمشكلة القائمة أن نسبة معتبرة من الشعب تثق بهم وتظن حقا أنهم وطنيين بسبب شعاراتهم الرنانة وإشهارهم لقضايا الفساد رغم أنهم جزء منه حاليا والمسؤولون الحقيقيون عن مجازر التسعينات وعرابي الانقلاب..
أما القطب الثالث فهي صحافة إمساك العصا من الوسط والتي تمشي مع التيار، فبالأمس القريب نشرت أن “بوتفليقة مرشح الإجماع” وبعدها عنونت بالبند العريض “الشعب يفوّض الجيش” لتواصل تمجيدها حسب ما تقتضيه المصلحة فحيثما توجهت بوصلة القوة توجهت معها ولو إدعوا الوطنية والدفاع عن القيم..

أما القطب الرابع فهو إعلام يعتمد على معايير النزاهة والمهنية وينقل المشهد الوطني الاجتماعي السياسي والاقتصادي بأمانة، وقد حققت المواقع الالكترونية نقلة نوعيه ودعمت هذا الوجه النزيه للإعلام الذي عادة ما يواجه القيود الاقتصادية والسياسية التي تفرضها السلطة، ولكنه بقي ثابتا على مبادئه شاهرا قلمه الراقي ليقاوم معاول هدم الثوابت والمقدسات سائرا على درب سيد الخلق عليه الصلاة والسلام حين قال لعمه أبي طالب: “والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته”..

من سلطة رابعة إلى سلطة أولى

في عصرنا الحالي سبق الإعلام السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وتبوء المركز الأول نظرا للدور المتزايد لوسائل الإعلام في شتى ميادين الحياة وفي كل المجتمعات وعلى اختلاف شرائحها وطبقاتها، فقد صارت الأخبار والوثائق والملفات السرية كلها أوراق تستعمل في الساحة الإعلامية للضغط أو مواجهة الخصوم وكذا تأليب الرأي العام لتوجيه سياسات السلطة النافذة، وما شهدته وسائل الإعلام من معارك بين سعيداني ومحمد مدين المدعو التوفيق وكذا أنيس رحماني ورجال المخابرات أو حتى خرجات لويزة حنون ونعيمة صالحي وعدنا ملاح كلها أمثلة حية وجدت أبواقا لها تدعي الموضوعية والشفافية.

إن اعتماد كل ما هو رديء ليسوَّق إعلاميا أدى إلى فقدان الثقة به والتضليل، رغم الدور الكبير له في الرقي بالفرد وازدهار المجتمع وبناء الحضارة المحافظة على الوطن، وترسيخ القيم والثوابت والمبادئ المثلى فضلا عن ذلك نصرة المظلوم ومحاربة الفساد لكن ذلك لن يتأتى في غياب المصداقية والسعي لهدم الصرح القيمي الأخلاقي، ويكفي بكل إعلامي أن يحسن التحقيق بعد أن يتأمل ويتدبر ويتفكر في قولة تعالى: “رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ” آل عمران 191.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.