زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

أسلِحة “الجَهل” الشّامل: الحَقِيقة هي الصَّدمة؟!

أسلِحة “الجَهل” الشّامل: الحَقِيقة هي الصَّدمة؟! ح.م

مع كُلّ نكبة أو أزمة تلمّ بالبلاد والعباد، يتداعى لها الجزائريون بالتآخي والتآزر والتكافل، ضاربين أروع الأمثلة في التواد والتراحم، ومُدشنين عهدا جديدا من الملاحم التضامنية، مع المسحوقين اجتماعيا والمحطّمين نفسيا، ممّن التصقت بهم حياة الفاقة والغبن، ورمت بهم في بحر لُجيّ مضرجٍ بالهموم؛ فغدوا كائنات يائسة، مُحبطة ومُشككة في كل شيء، من فرط صنوف البؤس والحرمان والتهميش التي خنقتهم لعقود من الزمن، ورسمت على محيّاهم أخاديد من الأسى والحزن، حتّى أصبح يُخيّل لهم أنّهم مواطنون من الدرجة الثانية !!.

انتحرت القيم الأخلاقية على أسوار اللاّ مبالاة، ولم يعد أحد يأبه لحجم الإفلاس، الذي نخر أركان المجتمع، حتّى أصبحت النفس البشرية رخيصة، إلى درجة أن يستهتر الجميع بجائحة هي أشدّ بأسا على البشرية جمعاء، بقت مخابر كبريات الدول التي تملك ناصية التكنولوجيا أمامها مذهولة، عاجزة عن إيجاد دواء لها.

رائعة، مثل هذه المبادرات الإنسانية، التي قدّمت صورا جميلة للعالم عن شعب متلاحم في المحن، عن شعب يذود عن وطنه، وهو الذي قدّم قوافلاً من الشهداء رووا هذه الأرض الطيبة بدمائهم الزكية، لكن للأسف، سرعان ما تحولت مظاهر التكافل لدى الجزائريين، في محطات عدّة، إلى مشاعر انفعالية ظرفية طبعتها المُناسباتية، وأحيانا تلونت بالشعبوية وسقطت في فخ المُمارسات الكرنفالية، والأخطر من ذلك، هي مستويات الوعي التي انحدرت إلى أسفل سافلين وتلاشت مع أول اختبار حياتي للبشرية جمعاء اسمه “كورونا”.

جائحة “كورونا” التي خطفت أرواحا عزيزة وأفقدت المناسبات الدينية نكهتها، وفرضت على الناس تباعدا اجتماعيا، وسجنتهم في منازلهم، حتى أصبحوا يحلمون بالعودة إلى حياتهم الطبيعية، التي كانوا يتأففون منها، مُتّهمين إيّاها بالرتابة أحيانا، ومُحبَطين من نوائبها في أحايين أخرى، ها هي تفضح الإنسانية المغشوشة للبعض، وتكشف جشع آخرين، لم يتوانوا في إلهاب أسعار المواد الغذائية والتنظيف وحتى كمامات الوقاية. كما أنّها أفرزت مواطنين مصابين بانفصام في الشخصية، يندّدون آناء الليل وأطراف النهار بخرق قواعد الحجر الصحي، لكنهم لا يطبقونها في يومياتهم وينتهكونها كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلا بعيدا عن أجهزة الرقابة.

انتحرت القيم الأخلاقية على أسوار اللاّ مبالاة، ولم يعد أحد يأبه لحجم الإفلاس، الذي نخر أركان المجتمع، حتّى أصبحت النفس البشرية رخيصة، إلى درجة أن يستهتر الجميع بجائحة هي أشدّ بأسا على البشرية جمعاء، بقت مخابر كبريات الدول التي تملك ناصية التكنولوجيا أمامها مذهولة، عاجزة عن إيجاد دواء لها. عدم مبالاة كثير من الجزائريين وسُخريتهم من إجراءات الوقاية لمواجهة “كورونا”، التي وصلت بهم حدّ التندر وإطلاق النكت، تُحيلنا إلى ما قاله مؤسس العمران البشري ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة، عندما قدّم توصيفا لحالنا اليوم، وكأنه استشرف مُستقبل البشرية، حيث أرجع غرق الأمم في السخرية والتندر في عزّ الأزمات والنكبات، إلى معاناتها من ويلات الاستبداد، حتى تساوت عندها الحياة مع الموت، “إذا رأيت الناس تكثر الكلام المُضحك وقت الكوارث، فاعلم أن الفقر قد أقبع عليهم وهم قوم بهم غفلة واستعباد ومهانة كمن يساق للموت وهو مخمور”.

إذَن، لا عجب أن تجد الناس تموت بالآلاف يوميا ولا يُحرّك ذلك قيد أنملة في سلوكيات كثير من المواطنين، الذين وبالرغم من الإحصائيات المعلن عنها والإجراءات المرافقة لها من حجر منزلي وفرض التباعد الاجتماعي، وضرورة ارتداء الكمامات، إلاّ أنّهم قابلوا هذه الإجراءات بسيول جارفة من الاستفسارات والتأويلات، المتلونة بمشاعر الخوف والقلق والريبة والتشكيك.

إذَن، لا عجب أن تجد الناس تموت بالآلاف يوميا ولا يُحرّك ذلك قيد أنملة في سلوكيات كثير من المواطنين، الذين وبالرغم من الإحصائيات المعلن عنها والإجراءات المرافقة لها من حجر منزلي وفرض التباعد الاجتماعي، وضرورة ارتداء الكمامات، إلاّ أنّهم قابلوا هذه الإجراءات بسيول جارفة من الاستفسارات والتأويلات، المتلونة بمشاعر الخوف والقلق والريبة والتشكيك. وإلا كيف نُفسّر ذلك التفاعل اللافت مع الشائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتصديقها، واتخاذ قرارات هامة استنادا إليها، في حين لا تُحمَل الأخبار الصادقة الموثوقة المصادر مَحمل الجِد، وتُرمى بسهام التشكيك؟ لماذا تحوّل غالبية الجزائريين إلى كائنات غير مبالية؟ لماذا اختلت عندهم موازين التفريق ما بين ما هو صالح وما هو طالح، ما هو ضارّ وما هو نافع؟

الحقيقة، هي أن خطابات اليأس التي وزّعها المسؤولون على إدارة شُؤون البلد طيلة عقود من الزمن، استوطنت اللاشعور لدى الجزائريين، وأفرزت كائنات محبطة ومتوجّسة من كل شيء، كائنات فقدت بوصلة الأمن والأمان، وسقطت من قاموسها الثقة في أيّ إجراء أو قرار حتى ولو كان يخدم الصّالح العام؛ فإذا كانت هنالك أسس لصناعة العلم، فإنّه هنالك أيضا في المقابل أدوات لنشر الجهل وتوزيعه بالقسطاس على عموم الشعب.

أسلحة “التجهيل الشامل” الفتاكة، تتمثل في زرع الشك بين أفراد المجتمع، وتشتيت ذهنهم بمعلومات مغلوطة، وهدم صورة القدوة لديهم، فضلا عن استخدام استمالات الردع والترهيب بتطبيق إجراءات عقابية جائرة ضدهم، فيدب الخوف في نفوسهم، وينال من الدفاعات اللاشعورية لديهم.

أسلحة “التجهيل الشامل” الفتاكة، تتمثل في زرع الشك بين أفراد المجتمع، وتشتيت ذهنهم بمعلومات مغلوطة، وهدم صورة القدوة لديهم، فضلا عن استخدام استمالات الردع والترهيب بتطبيق إجراءات عقابية جائرة ضدهم، فيدب الخوف في نفوسهم، وينال من الدفاعات اللاشعورية لديهم.

لذلك، فإن الوطن لا يبنى بـ”حُطام آدمي”، بشعب خائف، متوجس، ومضطرب نفسيا، بل باستعادة الثقة المفقودة منذ زمن بين الحاكم والمحكوم، هكذا يمكننا صناعة شعب واع يرفض أشكال الاستغلال والإستغباء والتضليل ويقدم أروع الأمثلة في المواطنة، وينبذ الكراهية التي تنهل من روافد الجهوية والعنصرية، ولا يسلك طريق الأفكار الهدّامة التي تتغذى من صحون الانتقام والضغينة؛ لتنتج أكواما من العُقد البشرية، تظن أنها مظلومة ومسلوبة الحقوق، ومصنّفة ضمن خانة مواطنين من الدرجة الثانية؛ فتلجأ إلى مختلف أشكال العنف سواء كان لفظيا أو جسديا لتثبت وجودها.

zoom

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

2 تعليقات

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

    • تعليق 7267

      Belarouci Kamal

      موضوع مثالي و رائع وخاصة ذلك الولوج والتدرج الى صلب الموضوع 🙏

      • 0

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.