زاد دي زاد - الخبر مقدس والتعليق حر

ملاحظة: يمكنك استعمال الماركداون في محتوى مقالك.

شروط إرسال مقال:

– النشر في “زاد دي زاد” مجّاني
– أن يكون المقال مِلكا لصاحبه وليس منقولا.
– أن يكون بعيدا عن الشتم والقذف وتصفية الحسابات والطائفية والتحريض.
– الأولوية في النشر للمقالات غير المنشورة سابقا في مواقع أو منصات أخرى.
– الموقع ليس ملزما بنشر كل المقالات التي تصله وليس ملزما بتقديم تبرير على ذلك.

أخلاق الأمانة.. بين أويحيى وأوباما!

فيسبوك القراءة من المصدر
أخلاق الأمانة.. بين أويحيى وأوباما! ح.م

أحمد أويحيى - باراك أوباما

لا شك أنّ اعتراف الوزير الأول الأسبق أحمد أويحيى، أمام القضاء، بتلقّي 60 صفيحة ذهبية، كهدايا من أمراء خليجيين استضافتهم الرئاسة الجزائرية في تظاهرة لصيد الغزال بالصحراء، ثمّ بيْعها في السوق السوداء بالملايير، يشكّل صدمة كبيرة من الناحية الأخلاقيّة، عكست قاع الفساد الذي غرقت فيه بلادُنا، بفعل تفسُّخ الدولة خلال حكم العصابة.

للأسف، أحمد أويحيى ليس حالة فردية معزولة، بل هو نموذج صارخ لمسؤولين كانوا مؤتمنين على شؤون الدولة وخزينتها العامة، يُفترض فيهم التحلّي بصفات “الرجل العمومي”، والتي تقتضي منهم أخلاق العفّة والتجرّد والترفّع عن كلّ الشبهات، أداءً للأمانة على وجهها الشرعي والقانوني، لكنهم عاثوا في “بيت المال” فسادا، دون وازع أخلاقي ولا قضائي، حتّى افتضح المستور وما خفي سيكون يقينًا أعظم.

يروي أوباما أنه فوجئ، خلال أول زيارة له نحو دول الخليج، بإهدائه حقيبة سفر كبيرة مملوءة، بها تماثيل ذهبية صغيرة، وساعة زجاجية تعمل بالتغيّرات في درجة الحرارة، وفي علبة مخملية، وجد عِقدًا بطول نصف سلسلة درّاجة، مرصَّعًا بالياقوت والماسّ، قدَّر الرجلُ قيمتها بمئات الآلاف من الدولارات، إلى جانب خاتم وأقراط.

كم يحزّ في النفس أن تأتي فضائح فساد المسلمين في بلاد الإسلام متزامنة مع إصدار الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مذكراته، إذ حكى قصة مطابقة تمامًا في مُدخلاتها لواقعة أويحيى، غير أنها مفارقة لها على الإطلاق في مخرجاتها السلوكيّة، من رجل مسيحيٍّ مارس سلطاته الرئاسية تحت سيادة القانون والعدالة المستقلّة.

يروي أوباما أنه فوجئ، خلال أول زيارة له نحو دول الخليج، بإهدائه حقيبة سفر كبيرة مملوءة، بها تماثيل ذهبية صغيرة، وساعة زجاجية تعمل بالتغيّرات في درجة الحرارة، وفي علبة مخملية، وجد عِقدًا بطول نصف سلسلة درّاجة، مرصَّعًا بالياقوت والماسّ، قدَّر الرجلُ قيمتها بمئات الآلاف من الدولارات، إلى جانب خاتم وأقراط.

ماذا صنع أوباما بتلك الهدايا يا تُرى؟ هل حملها فرِحًا مسرورًا إلى ميشيل؟ أم باعها في السوق الموازية؟ لقد علّق على الموقف المستهجَن في ثقافته بالقول: “على ما يبدو، لم يخبروهم عن قوانيننا التي تحظر الهدايا”، متسائلاً في نفسه: “كم مرّة كانت مثلها تُترك بتكتُّم لقادة آخرين ليس لدى دولهم قواعد ضد أخذ الهبات”؟

في هذا الموقف المخزي، لا يسعنا إلا أن نستحضر المقولة الشهيرة للإمام محمد عبده، عندما ذهب لمؤتمر باريس عام 1881، ثم عاد من هناك إلى مصر، فقال عبارته الخالدة: “ذهبت إلى الغرب فوجدت إسلامًا ولم أجد مسلمين.. ولما عدت إلى الشرق وجدت مسلمين ولكنني لم أجد إسلامًا”.

إنّ مثل هذا الكلام الصريح لا يمثل بأي حال من الأحوال إدانة للأخلاق الإسلامية أو للشريعة نفسها، لأنّ سلوك الإنسان، أيا كانت ديانتُه، يتحمّل وزره وحده، بل على العكس لو عدنا إلى هدي الإسلام لوقفنا على الصرامة في تحصين المال العامّ حتّى مع الأنبياء الأخيار، لذلك جاء النهي في القرآن الكريم عن الغُلُّ، وهو عند مفسّرين يعني خيانة الإنفاق فوق اللزوم والحاجة، أما الرشوة فهي معلومة التحريم.

أكثر من ذلك، فإنّ النبي، صلّى عليه وسلّم، بالغ في التشديد بهذا الخصوص، حتى حرَّم على الأمراء، أي الولاة والمسؤولين بتعبيرنا المعاصر، قبول الهدايا من رعاياهم، تجنُّبًا لشبهة الرشوة واستغلال هيبة السلطة استغلالا سيئا.

لقد أحسن الرئيس عبد المجيد تبون صُنعًا حين ألزم جميع المسؤولين بإيداع كلّ هدية تفوق قيمتها 50 ألف دينار، لفائدة الاحتياط القانوني للتضامن، لكن لا يزال أمامنا مشوارٌ طويل لفرض القانون والأخلاق في الحياة العامّة.

وفي قصة الرجل الأزدي ابن الأتيبة، الذي استعمله رسول الله، صلّى اللهُ عليه وسلّم، على جمع الصدقات، دلالة واضحة في هذا المضمار، إذ جاءه فقال: “هذا الذي لكم، وهذه هدية أهديت لي”، فردّ عليه الحبيب المصطفى: “هلاّ جلستَ في بيتك وبيت أمك حتى تأتيك هديَّتُك إن كنتَ صادقا؟”.

إن لباب العلاقة السياسية بين الراعي والرعية من المنظور الإسلامي تقوم على ركيزتي الأمانة والعدل، باعتبارهما جِمَاعُ السِّيَاسَةِ العادلة، والولاية الصالحة، وفق وصف الإمام ابن تيمية، رحمه الله.

لذلك يترتَّب على كون “المنصب العامّ” أمانة في الإسلام، أنّ مُتولّيه أجيرٌ لدى رعيته، فهو مستأمَنٌ مقابل أجرة، فالعلاقة بين الأمة وحكامها علاقة أجير بربّ العمل، إذ أنّ الأمة مخدومة والحاكم خادمٌ لها، وهي ربّ العمل والحاكم أجيرٌ لها، أنابتْه لأداء وظيفة الحكم مقابل أجر مادي معلوم ومكانة معنوية مشروطة، وهو ما يقتضي منه الاتّصاف بالأمانة، وفق تعليق الدكتور محمد المختار الشنقيطي على القصة المذكورة أعلاه.

لقد أحسن الرئيس عبد المجيد تبون صُنعًا حين ألزم جميع المسؤولين بإيداع كلّ هدية تفوق قيمتها 50 ألف دينار، لفائدة الاحتياط القانوني للتضامن، لكن لا يزال أمامنا مشوارٌ طويل لفرض القانون والأخلاق في الحياة العامّة.

zoom

المقالات المنشورة في هذا الركن لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

كن أوّل من يتفاعل

تعليقات القراء تعبر عن رأيهم فقط، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع أو خطه التحريري.

فضلا.. الرجاء احترام الآداب العامة في الحوار وعدم الخروج عن موضوع النقاش.. شكرا.