تونس.. سبَّاقة ومُعَلِّمة
"لا يهديني أحد كتابا إلا وشعرت بضرورة الرد، سواء برسالة شكر، أو إن أعجبني النص بقراءة أنشرها. ذلك لأنني ككاتب، أعلم أن من يهديك أعز ما لديه أي عصارة الفكر والروح ينتظر منك أن تتجاوب معه ولو سلبا. أمر من التجاهل أن تسمع بكتابك معروضا في السوق للبيع، يميزه الإهداء المكتوب بخط يدك، مما يدل على قيمته لدى الذي توسمت فيه الخير." منصف المرزوقي الجزيرة نت 11 ابريل 2012

يحلو لفضيلة الشيخ القرضاوي حفظه الله ونفعنا بعلمه، كلما تحدث عن الثورات العربية وصف التونسية منها بـ "السباقة" والمصرية بـ "المُعلمة"، وبالرغم من أنني من متابعي الشيخ الكريم ومريديه ومحيبيه، إلا أنني كنت في كل مرة يردد هذه العبارات أتمتم بيني وبين نفسي معترضا: "والله لا يا شيخ التونسية كانت السباقة والمُعلمة أيضا، ولا تزال كذلك إلى يوم الناس هذا"..
فإذا كانت المصرية معلمة في سلميتها وتآزر ثوارها وتعاضدهم على اختلاف معتقداتهم الدينية ومشاربهم السياسية وتعددهم الثقافي والعرقي، فإنها لم تكن كذلك فيما بعد سقوط مبارك، فلم يسقط النظام، ولم تتعض الأغلبية ولم يتسع صدرها للمعارضة، ولم تنتبه بأن مشاكل مصر أكبر وأعقد من أن يحلها تيار لوحده، وإن كان تيارا شعبيا جارفا كتيار الإخوان المسلمين، ولم يكن أقطابها من الذكاء ما يجعلهم يشركون الجميع في عملية بناء مصر ما بعد الثورة حتى لا يتحملوا مسؤولية الفشل، إن فشلوا لا سمح الله لوحدهم، ويكون لهم الفضل في النجاح إن نجحوا لأنهم تنازلوا عن حقهم في الهيمنة ولم يقصوا أحدا.. ظاهرة تمادي العسكر في مصر ، وردة فعل الإخوان كيوم حنين بدأت تُفرغ الثورة من محتواها وتُفشلها، ونزعت عنها صفة "المعلمة" نزعا غير خاف..
إن أغلبية النهضة الساحقة وكثرتهم وفوزهم الساحق، لم تُغْرِ حكيم الحركة ومن حوله من الرجال بأحقية الانفراد بالزعامة والسلطة، فلقن الغنوشي العالم بأسره درسا في الديمقراطية والتعايش السياسي، وأعطى صورة جميلة عن الاسلام والإسلاميين المشوهة سمعتهم في كل انحاء العالم..
أما في تونس فالثورة كانت قوية وجذرية أسقطت النظام وأسست لتونس جديدة على أسس جديدة، وكانت الأغلبية فيها من الذكاء والحنكة ما جعلها تُؤْثِرُ على نفسها وتُشرك أكبر التيارات في عملية البناء في مرحلة ما بعد الثورة.. ثوار تونس كانوا معلمين علموا الناس كيف يصبرون على البلاء، وكيف يهزمون الرصاص بصدور عارية وقلوب عامرة بالإيمان بشرعية حركتهم وحقهم في الحرية والحياة الكريمة. وقادة الحركة الثورية في تونس كانوا حكماء معلمين كبارا، اقتنعوا دون ثرثرة ولا جدال أن تونس في حاجة إلى كل أبنائها، كما حررها الجميع من الطغيان يبنيها الجميع ويخرجونها من التخلف..
إن أغلبية النهضة الساحقة وكثرتهم وفوزهم الساحق، لم تُغْرِ حكيم الحركة ومن حوله من الرجال بأحقية الانفراد بالزعامة والسلطة، فلقن الغنوشي العالم بأسره درسا في الديمقراطية والتعايش السياسي، وأعطى صورة جميلة عن الاسلام والإسلاميين المشوهة سمعتهم في كل انحاء العالم.. النهضة المُعلمة تقاسمت السلطة مع العلمانيين والاشتراكيين ولم تقص الأقليات السياسية فضمنت لنفسها النجاح في كل الأحوال. فقد فازت بثقة التونسيين ببرنامجها، وكسبت احترام وتعاون المعارضين بتفتحها وديمقراطيتها.. لقد كانت سباقة ومعلمة أيضا..
ذلك لأن رئيسا يفكر ويكتب ويقرأ، لن يبطش بشعبه ولن يطغى عليه، وإن لم ينفعه كثيرا، فإنه لن يضره إطلاقا، وإن لم يدفع بالبلد إلى الأمام دفعا، فإنه لن يعيدها إلى الوراء، وإن لم يرق الديمقراطية ترقية، فإنه لن يرجعها القهقرى..
أكثر من ذلك فإن الثورة التونسية رفعت إلى سدة الحكم أناسا يفكرون ويكتبون ويقرؤون، فطوبى لتونس التي حباها الله بزعيم معلم ومفكر وفيلسوف وكاتب كبير، وبرئيس مفكر وكاتب مرموق وهذا ما لم يحظ به أي بلد عربي في العصر الحديث.. فمعظم الحكام العرب، حتى لا أقول كلهم، أميون لا يقرؤون ولا يكتبون ولا يفكرون، حتى الكلام بالعربية لا يحسنون، فتخال أحدهم انجليزي يتحدث بالعربية وآخرين هنود يلوكون العربية، وآخرين معاقين يتلعثمون يرفعون المجرور، وينصبون المجزوم.. وكأنهم دخلاء لا علاقة لهم بالعرب ولا العربية..
ذلك لأن رئيسا يفكر ويكتب ويقرأ، لن يبطش بشعبه ولن يطغى عليه، وإن لم ينفعه كثيرا، فإنه لن يضره إطلاقا، وإن لم يدفع بالبلد إلى الأمام دفعا، فإنه لن يعيدها إلى الوراء، وإن لم يرق الديمقراطية ترقية، فإنه لن يرجعها القهقرى.. كما فعل بن علي ويفعل أترابه بشعوبهم وبلدانهم.. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم...















من هنا يجب أن ننتظر قليلا لنرى ماذا سيفعله الزعيم المفكر والرئيس المثقف لحل مشاكل البطالة والإقتصاد في تونس أو في مصر وغيرها,مرة سُئل دانييل أورتيغا زعيم ثورة نيكاراغوا عن سبب خسارته أمام مرشح يميني فقال الناس خيرت بين قلبها وبطنها فأختارت البطن.ربما الحالة الوحيدة التي دمحت الإختيارين كانت الثورة الجزائرية,حيث الناس جاعت وعرت ولكنها كافحت لأن القلوب كانت تواقة إلى الحرية بأي ثمن.
القيادة التي نبحث عنها بالضرورة يجب أن تكون مثقفة,لكنها يجب أن تكون لها ثقافة صحية تقدس العدل والعلم والعمل, وتفجر طاقات المجتمع الإنتاجية على أسس تنافسية عادلة,أي كثير من العمل وقليل من الخطب والكلام وصكوك الغفران.
الشارع التونسي والمصري والعربي سيمتحن الأنظمة الإخوانية بقياس خطوات تقدمها على غرار تركيا وماليزيا وكوريا والصين,وتبقى ممارسة السياسة ودهاء الحكم أمر لا مفر منه لهاته الحكومات للإبحار بالثورة إلى بر الأمان.
أخيرا ليعلم الأخ المحترم كاتب المقال أن الحاكم المثقف ربما لن يبطش بالناس, ولكن فشل هذا الحاكم في وضع نظام سياسي وإقتصادي يطعم الناس من جوع ويأمنهم من خوف, سوف يعرض الناس إلى فقدان الأمن الغدائي والأمن الصحي وغيرها من الحاجات الأساسية للحياة,وهذ بدوره سيدفع الناس إلى الثورة ,وحينها هل ستجمع الحكومات الإخوانية حقائبها وتنسحب بهدوء تاركة القوى الأخرى تجرب حظها, أم ستكون حرب تموقع جديدة تستعمل فيها الهراوات والغازات المسيلة للدموع والرصاص بإسم الشرعية الإلاهية هذه المرة؟
نعم هناك خطر من قيام أنظمة شمولية جديدة وهو أمرا ليس مستبعدا ولو بألوان وشعارات شعبوية وإسلامية, فالأنظمة الإخوانية الجديدة سيتحتم عليها أن تتحالف مع العسكر ومع القوى المتمكنة في المجتمع من بقايا النظام السابق وبمباركة غربية لتشكيل الجيل الثاني من الأنظمة التي ستحكم مجتمعاتنا مستقبلا,أنظمة ذات توجهات وألوان إسلامية لكنها ستكون أنظمة مدجنة وأليفة على شاكلة السعودية وقطر وهي بذلك ستقدم خدمة للدول الغربية بكبح جماح الجماعات الإسلامية الرديكالية ومحاولة إحتوائها,هذا النوع من الأنظمة ستكون عبارة عن ذئب في جلد خروف,تتكلم بإسم الإسلام وبإسم الحرية ولكنها لا تقبل من ينتقدها في حالة فشلها لأنها تعتقد أنها لا تخطيء لأنها ستستمد قوانينها من الكتاب والسنة,سيكون من يعارضها كافر وخائن وفي أحسن الأحوال منافق أو ضعيف الإيمان! تماما كما يفعل شيوخ وملوك الخليج الآن,إذ أنهم محاطون بعلماء دين للفتوى وبجنود للقمع والحراسة ضد شعوبهم وبأمريكا للحماية الخارجية ضد السبي الفارسي.
لقد شاهدنا كيف أن نواب النهضة في تونس يلجأون إلى ترديد النشيد الوطني التونسي عندما يريدون التشويش على رأي مخالف في المجلس.
أخيرا نتمنى أن لا يكون السادة والشيوخ الغنوشي وبنكيران وبوجرة(إن حقق حلمه ولم تنكسر جرته قبل وصوله إلى قصر زيروت يوسف) وعبد الجليل وزعماء الإخوان في مصر, نسخة أخرى من الديكتاتوريات السابقة أو من ملوك ومشايخ سايكس بيكو ومكماهون للقرن الواحد والعشرين,سيكون وقت وطريق طويل وعمل شاق أمام العرب قبل الإنطلاق في بناء مجتمعات حرة وديمقراطية حقا,على الحكومات الجيدة أن تكون ممثلة أو محترمة لكل تيارات المجتمع وأن لاتصادر الحريات بإسم الشرعية الشعبية وبإسم الدين,ولايجب أن نتفاءل كثيرا بالصندوق,فالصندوق قد يشحن بالعواطف والوعود التي سرعان ماتتبخر في مواجهة الواقع وعندها سنجد أنفسنا مرة أخرى أمام البيان رقم واحد,
ويبقى على الأنظمة الإسلامية الإخوانية الجديدة أن تحدد وتوضح برامجها وأهدافها لقيادة شعوبها في المرحلة القادمة,عليها أن تتجنب الفساد وتطهر صفوفها من المفسدين,عليها أن تنجح في تحريك طاقات المجتمع الشبابية لتكوين نظام إنتاجي تنافسي يقضي على البطالة وينمي الإقتصاد ويرفع من مستوى معيشة المواطنين كما يحدث في تركيا والصين مثلا,عليها أن تحترم الحريات وتحرر العدالة والإعلام وتحسن الصحة والتعليم كما يجب عليها أن تعامل الغرب وفق مبدأ المصلحة الوطنية المقدسة وعلى أساس المصالح المتبادلة.طبعا تحقيق هاته الأهداف سيكون صعبا جدا لأن الأدوات التي يمتلكها المجتمع ليست مؤهلة أو كافية لتحقيق كل ذلك,لكن خطوة نحو الأمام وراء تركيا والبرازيل وماليزيا والصين وتقليد هاته الدول سيضع العرب على سكة التقدم والتحرر والديمقراطية.
أعرف أن ردي هذا على المقال أعلاه سيغيض القراء الإخوانيون في هذا الموقع وهم عادة مايرفضون الرأي الآخر,لكنها قناعاتي الشخصية وكلنا حر في التعبير عن أرائه ,والإسلام رحمة لكل العالمين على كل حال.
أضف تعليقك